الأربعاء، 15 يونيو 2016

الإختيار لليسر في الاعتمار

" الاختيار لليُسر في الاعتمار "
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله .
أما بعد ، فإن من أخص خصائص الشريعة الإسلامية ، اليسر في أحكامها ، ورفع الحرج عن أهلها ، وقد تواترت النصوص في تقرير ذلك كما في قوله تعالى { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ، وقوله { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ، وقوله { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً } .
وورد في السنة تأكيده ، كما في الصحيح "إن الدين يُسر ، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه " .
و" خذوا من العمل ما تطيقون .. " .
وفي حديث عائشة " إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيدَع العمل ، وهو يحب أن يعمل به ، خشية أن يعمل به الناس ، فيفرض عليهم ".
وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم أعمالاً لم يعملها ، وترك الأمر بها ، شفقة على الأمة ، أن يتابعوه عليها ، فتفرض عليهم ، أو يشق عليهم تركها ، حتى لو لم تفرض ، فيكلَفوا ما لا طاقة لهم بالمداومة عليه ، ولا بتركه ، فيقعوا في الحرج .
كقوله " لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء " .
وكقوله ، لما دخل الكعبة " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها ، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي " . رواه أبو داود .
وكل أحكام الشريعة ، عبادات ومعاملات ، مبناها على الرفق والتيسير ، ورفع المشقة والتعسير ، والأمثلة في ذلك تجلّ عن الحصر.
" تكرار العمرة "
ومن صور التيسير في العمرة ، أنها لا تجب إلا مرة واحدة في العمر ، على المستطيع ، وقد اختلف في وجوبها أيضاً .
ومن أهل العلم من لم يستحب تكرارها في العام أكثر من مرة ، كالمالكية ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر أكثر من عمرة في العام الواحد .
ومنهم من قال : في كل شهر مرة .
ومنهم من رأى أنه يكررها متى شاء ، ولو في اليوم أكثر من مرة .
واحتجّوا بحديث " العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما " . متفق عليه .
ولم يحدّ في أدائها زمان مخصوص ، فتصح في كل وقت .
إلا ما استثناه بعض أهل العلم من أيام ، فقالوا لا يفعلها الحاج في خمسة أيام : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق الثلاثة .
أما غير الحاج فله فعلها مطلقاً .

" العمرة المكية "
ومما اختلف فيه أهل العلم ، الاعتمار من مكة خارجاً منها ، بمعنى : أن يخرج من مكة إلى الحلّ ( إما التنعيم وإما غيرها ) ثم يدخل مكة ويطوف ويسعى .
فالجمهور على أن ذلك مشروع ، واحتجوا عليه بعمرة عائشة ، بعد قضائها الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث أمر أخاها عبد الرحمن أن يذهب بها إلى الحلّ فتعتمر منه .
وذهب ابن عباس وطاووس وعطاء إلى أنها غير مشروعة ، وانتصر لهذا القول ابن تيمية . [مجموع الفتاوى 26/ 264 ] .
لأنه لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ، لا بعد حجة الوداع ، ولا قبل ذلك ، فإن عمراتهم كلها كانت وهم داخلون إلى مكة .
وقالوا : إن طواف المكي بالبيت هو الركن الأساس للعمرة ، فخروجه من مكة ليعود إليها للطواف سعيٌ في لا شيء ، ومشقة لا فائدة فيها ، وبين أن يخرجوا عدة أميال إلى الحل ويعودوا ، يمكنهم الطواف مرات عديدة .
وأجابوا عن عمرة عائشة من التنعيم ، بأنها هي التي ألحّت على الرسول صلى الله عليه وسلم في فعلها ، لأنها قدمت إلى مكة متمتعة ، فلما وصلت قرب مكة ( في سَرِف ) حاضت ، فلم تقدر على فعل العمرة ، فأدخلت عليها الحج وصارت قارنة ، فلما قضت الحج أرادت أن تأتي بعمرة مفردة ، فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنها قد فرغت من حجها وعمرتها ، فألحّت عليه ، فأذن لها فيها .
قالوا : فلولا إصرارها عليها لما أَذِن لها بفعلها ، ولو كانت مستحبة لفعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولرغّب في فعلها.
وقالوا : هذا عبد الرحمن أخوها ، لم يفعلها ، وإنما اكتفى بمرافقتها .
وأجاب الجمهور بأن إذن النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في فعلها دليل صريح على مشروعيتها [ الفتح 3/ 606 ] ، حتى لو قيل إنه أذن لها تطييباً لخاطرها ، وإنها كانت إذا هويت الشيء تابعها عليه [رواه مسلم ] .
فإن ذلك لا ينفي مشروعيتها ، ولو كانت مكروهة لما أذن لها فيها .
كل ما في الأمر أنه صلى الله عليه وسلم كان رفيقاً بها ، وبسائر الأمّة ، فما أراد أن تتكلّف مشقة فعلها ، وأخبرها بأنها قد حصل لها العمرة مقرونةً بالحج .
فلما رأى عزمها على فعل عمرة مفردة ، كما فعلت صويحباتها ، أذن لها فيها.
فهو إِذْنُ تشريع وسنة ، لا يصح أن يُقال فيه غير ذلك ، ويؤيده قوله لها "إن لك من الأجر على قدر نصَبك ونفقتك" .
رواه البخاري ومسلم والحاكم ، واللفظ له .
ومثل هذا لا يقال إلا في القربات المشروعة .
وأجاب الجمهور كذلك بتواتر فعل العمرة المكية من زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم .
وقد فعلها من الصحابة بعد زمن النبوة ، صاحبة القصة ، عائشة ، كما في رواية مسلم قال أبو الزبير " وكانت عائشة إذا حجت صنعت كما صنعت مع نبي الله صلى الله عليه وسلم " .
واعتمر أنس وابن الزبير وابن عمر وجابر وأم الدرداء وغيرهم من مكة . البيهقي [4/344] ومصنّف عبدالرزاق [5/ 127].
وأجاب الجمهور عن فتوى ابن عباس في المنع منها ، بما رواه ابن أبي شيبة [ 4 / 87 ] عنه أنه قال " لا يضركم يا أهل مكة أن لا تعتمروا ، فإن أبيتم ،  فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطن الوادي " .
ومعناه ، كما قال عطاء : أن يجعلوا بينهم وبين مكة بطن واد من الحل .
ثم نقول مع ذلك : إن تكرار العمرة من مكة ، على نحو ما نراه اليوم من كثير من الناس ، ابتغاءً للأجر ، فيه مشقة عظيمة ، على أنفسهم ، وتضييق على إخوانهم المعتمرين الذين قصدوا مكة من ديار بعيدة ، فيزاحمهم المكثرون من العمرة المكية ، فلو أنهم اعتاضوا عنها وعن كثرة الطواف، بغيرها من أعمال البر ، كالصلاة والقراءة والذكر ، في البيوت ، أو في المساجد القريبة ، لكان أولى .
" عمرة رمضان "
واختلف في أفضل أوقات العمرة ، والأكثر على القول بأن عمرة رمضان أفضل ، وأنها تعدل حجة .
لما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من حجته قال لأم سنان الأنصارية "ما منعك من الحج " ؟
فاعتذرت له بأن زوجها خرج للحج مع ابنه على ناضح ، وترك ناضحاً للسقيا .
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " فإذا كان رمضان اعتمري فيه فإن عمرة في رمضان تعدل حجة (أو قال حجة معي ) " .
والحديث وقع فيه اختلاف في قوله (حجة ) أو ( حجة معي ) .
ووقع اختلاف في اسم المرأة ، فقيل : أم سنان ، وقيل أم معقل ، وقيل أم سليم ..
ثم وقع الخلاف ، أيضاً ، في دلالة الحديث ، فقيل إنه خاص بتلك المرأة ، لأنها أرادت الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يتهيّأ لها مرادها ، فأرشدها إلى ما يعدل أجر حجة ، إما مطلقاً ، وإما معه .
وممن اختار هذا القول سعيد بن جبير . [ الفتح 3 / 605 ] .
ويؤيده رواية أبي داود (و سمى المرأة أم معقل ) وفيه قال " فأما إذا فاتتك هذه الحجة معنا، فاعتمري في رمضان ، فإنها كحجة ".
وجاء في آخر الرواية أنها قالت " الحج حجة ، والعمرة عمرة ، وقد قال هذا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما أدري ألي خاصة " ؟
وقد انتصر لهذا القول ابن تيمية وجعل لثواب العمرة في رمضان درجات ، حسب فهمي لمراده .
أعلاها : أن عمرة رمضان تعدل حجةً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، لتلك المرأة ، ولمن كان مثلها ، ممن أراد الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم منعه منها عارضٌ . وهذا خاص بزمن النبوة بالشرط المذكور .
ودون ذلك : من أراد الحج ، بعد زمن النبوة ، فحبسه عذر ، فاعتمر في رمضان التالي ، فهذا له أجر حجة فقط .
ودون ذلك : من أتى بعمرة في رمضان ، من آحاد الناس ، فهذا قد يحصل له أجر حجة ، إن جاء بها محرماً من الميقات ، فإنه قد اجتمع له فضل الزمان - في رمضان - وشرف المكان -في المسجد الحرام - فلا يبعد أن يناله مثل ذلك الأجر العظيم .
وأما من اعتمر في رمضان من مكة ، فهذا يبعد أن يحصل له مثل أجر من أنشأ لها سفراً . مجموع الفتاوى [ 26 / 292 ] .
ولابن القيم كلام ، بنحو هذا ، وقد اختار أن أفضل وقت للعمرة ، ما اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو العمرة في ذي القعدة ، وقال : وهذا مما نستخير الله فيه ، فمن كان عنده فضل علم فليرشد إليه .
تهذيب السنن [7/ 36] وزاد المعاد [2 /90 ]. وذكر ابن القيم وغيره أن عمراته الأربع  كلها قد وقعت في ذي القعدة .
1- عمرة الحديبية ، في العام السادس للهجرة ، وقد حسبت له مع كونه صُدّ عنها .
2- وعمرة القضية ( أو القضاء ) ، وهي التي قاضى قريشاً ( أي صالحهم ) عليها ، وكانت في العام السابع .
3- وعمرة الجعرانة ، وكانت في العام الثامن بعد فتح مكة ، وبعد عودته من حصار الطائف ، ودخل من جهة جعرانة ليلاً .
4- والعمرة التي أتى بها مقرونة مع حجته في السنة العاشرة .
قال سمير : فضل الله واسع ، فلا يبعد أن يحصل للمعتمر في رمضان مثل هذا الأجر العظيم ، لكن هذا لا يقتضي ترك الاعتمار في الأشهر الأخرى ، خاصةً في ذي القعدة ، تأسياً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم إن هناك أعمالاً كثيرة ، ورد فيها ثواب عظيم ،
وليس فيها مثل مشقة العمرة في رمضان ، ولا قريب منها ، كذكر الله ، والصلاة ، والصيام ، والصدقة ، فلم يحصر الثواب والمغفرة في عمل واحد .
خاصةً النساء والضعفة والمرضى ، فإن هؤلاء يستحب لهم اختيار العمل اليسير ، البعيد عن الزحام والعراك .
رأينا من يكثر من الاعتمار في رمضان في هذا الزمان ، رغبة في الأجر العظيم ، لكننا رأيناهم يتجشمون المشاق العظام ، ويحصل لهم من العنت والحرج الشديد ، وربما وقع لهم أذىً في أنفسهم وأزواجهم وأولادهم وأموالهم .
والله تعالى يقول { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً } .
ولما صاح بعض الصحابة بالذكر قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم مشفقاً عليهم " اربعوا على أنفسكم " .
أي : ارفقوا ولا تجهدوا أنفسكم .
والمشقة متيقنة في عمرة رمضان من كل جهة ، أولها وصول المعتمر إلى قرب ساحات المسجد الحرام ، وما يلقاه من عناء الزحام ، وربما انتظر وقتاً طويلاً حتى يتسنى له الوصول إلى الساحات ، ثم تبدأ رحلة المعاناة للدخول من أبواب المسجد ، ولا يزال يتنقل من عناء إلى عناء ، حتى ينتهي من أداء عمرته ، ولا يكاد يسلم من مدافعة الناس ، وربما أدى إلى شجار وسباب وعراك ، ومن كان معه بعض أهله فعناؤه متحقق ، وإيذاؤه متيقن .
ولا تسلْ هناك عن غفلة أكثر القلوب عن الخشوع والسكينة ، وعن ضياع أكثر السنن ، في معمعة الزحام الشديد ، وما تورثه تلك المدافعات ، من هنا وهناك ، من شحناء وبغضاء ، وسباب وقتال .
فهل بمثل هذا تتحصل الحسنات ، وتنال أرفع الدرجات ؟
والخوف من أن ينعكس المقصود ، ولا يكون حظ المعتمر من عمله إلا التعب والنصب ، وضياع الثواب والأجر .
وقد ورد في الحديث ما يشبه هذا ، ويمكن أن يقاس عليه " رُِبّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب " . رواه ابن ماجه .
والمقصود أن يحتاط المسلم لعبادته ، فيختار الوقت الأوفق لأدائها على الوجه الأكمل ، ولو أداها في الوقت المفضول .
( لأن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة ، أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها أو زمانها ) .
فإذا قدّر لك أن تعتمر وحدك ، أو مع أهلك ، في وقت لا يكون فيه مثل هذا الزحام والعراك ، من أيام السنة ، ولو كان أجرها أقل من فعلها في رمضان ، فيكون أخشع لقلبك ، وأدعى لأدائها على وفق السنة ، وأبعد من الوقوع في إثم المدافعة والمغالبة وما يتبعها ، فإن ذلك أولى وأحرى ، بل ربما تتحصل على أجر وثواب أعلى .
ولهذا نظائر كثيرة في العبادات .
فقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم الوقت المفضول لصلاة العشاء ، عن الوقت الأفضل ، لئلا يشق على أمته .
واختار الإبراد لصلاة الظهر في الحر الشديد رفعاً للحرج عنهم .
وقد حصل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم من التيسير على الناس ، خاصة النساء والضعفة ، الشيء الكثير ، فاختار لهم النفر من مزدلفة ليلاً ، مع تفويت الأفضل وهو المبيت إلى الإسفار ، ورموا بالليل ليلة النحر ، مع أن الأفضل تأخيره إلى الضحى.
وقد أفتى ابن عمر لزوجته أن تؤخر رمي الجمار إلى الليل ، مع أن السنة رميها بعد الزوال .
والكلام في هذا يطول ، والله تعالى أعلم .

وكتب سمير بن خليل المالكي
مكة المكرمة

الجمعة ٥/ رمضان / ١٤٣٧هـ

المختصر في قنوت الوتر

المختصر في قنوت الوتر
الحمدلله ، والصلاة والسلام على رسول الله .
أما بعد ، فهذه نبذة يسيرة عن قنوت الوتر في قيام رمضان ، وبيان خطأ كثير من القرّاء فيه ، ودعاء الختم المشهور - الذي يصر بعض أئمة المساجد على المداومة على فعله في كل عام ، خاصةً أئمة الحرمين ، أصلحهم الله ووفقهم لما يحبه ويرضاه .
وكنت قد كتبت في ذلك مقالاً بعنوان " التبيان في بعض بدع القنوت في رمضان " ، وسأختصر هنا بعض ما ذكرته فيه ، مع زيادات يسيرة .
" العبادات توقيفية "
معلوم أنه لا يصح التعبد لله إلا بما شرع ، وأن الحجة إنما تقوم على العباد بالوحي المحكم من الكتاب والسنة ، وأن أقوال الناس وأفعالهم - مهما بلغوا من العلم والفضل - لا يحتج بها ، مالم يثبت فيه إجماع ، فإنه حينئذٍ يكون حجةً وفصلاً للنزاع .
مع التنبيه على اختصاص الصحابة رضي الله عنهم بمزية فضل وعلم ، لا يَشْرَكهم فيه أحد من الناس .
والاحتجاج بمذهب الصحابي - فيما لا يخالف فيه سنة ، أو صحابياً آخر - أصل معتبر من أصول المذاهب الفقهية .
" القنوت في الوتر "
اختلف السلف ، من الصحابة والأئمة بعدهم ، في القنوت في الوتر .
فمنهم من رأى استحباب القنوت في الوتر مطلقاً ، ومنهم من منع القنوت في الوتر مطلقاً ، ومنهم من استحبه في زمن مخصوص ، وهو النصف الثاني من رمضان .
واحتج الأولون ، وهم الحنفية ، والحنابلة (في رواية) بالأحاديث المطلقة ، ومنها :
1- حديث الحسن بن علي المشهور الذي ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه كلمات يقولهنّ في قنوت الوتر "اللهم اهدني فيمن هديت .. " .
لكن اختلف في لفظ الحديث ، فبعضهم أورده بلفظ ليس فيه ذكر القنوت ولا الوتر .
ورجّحه ابن خزيمة وابن حبان .
وعلى فرض ثبوت اللفظ الأول - بذكر الوتر والقنوت - فليس فيه حجة لمن يقول بالقنوت المطلق في ليالي السنة .
2 - حديث أُبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الوتر قبل الركوع .
رواه أبو داود وضعّفه .
وذكر المحققون من الأئمة أنه لم يثبت في قنوت الوتر حديث مرفوع .
حكاه الحافظ في التلخيص [ 2 / 18 ] عن الإمام أحمد .
ووافقه ابن خزيمة في صحيحه [ 2 / 151] .
واحتج من رأى عدم القنوت في الوتر مطلقاً ، وهو إحدى الروايتين عن مالك ، كما في المنتقى للباجي [ 1 / 110 ] ، بعدم ثبوت الأحاديث فيه .
والمذهب الثالث - وهو الوسط بين الطرفين - قالوا : لم يصحّ في قنوت الوتر حديث .
والروايات الكثيرة المشهورة ، في الصحاح والسنن ، عن عدد من الصحابة ، في وصف قيام النبي صلى الله عليه وسلم ووتره ، ليس فيها ذكر للقنوت ، لا في رمضان ولا في غيره .
ثم نظرنا في الآثار ، فرأيناها مختلفة ، ورأينا أصح ما ورد فيها أثر عمر حين جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد ، وكانوا قبل ذلك يصلون أوزاعاً ، وكان يؤمّهم أُبي بن كعب ، ولا يقنت لهم إلا في النصف الثاني .
رواه أبو داود ، وذكر أن هذا يدل على ضعف حديث أبي بن كعب السابق في قنوت النبي صلى الله عليه وسلم .
ورواه المروزي في "قيام الليل " باب : ترك القنوت في الوتر إلا في النصف الآخر من رمضان .
وهو مشهور مذهب الشافعي ، ورواية عن مالك وأحمد .
واحتج الأئمة بأثر عمر لموافقة الصحابة له ، حتى قال ابن قدامة في المغني إنه كالإجماع .
ويؤيده ما ذكره المروزي من آثار ، عن علي وابن عمر وغيرهما ، أنهم كانوا لا يقنتون إلا في النصف الآخر من رمضان .
انظر الاستذكار [ 5 / 166 ] ، ومسائل أبي داود [66] ، والمجموع شرح المهذب [4 / 15] ، ومصنف ابن أبي شيبة [2/98].
لكن حكى المرداوي في الإنصاف [ 2 / 166 ] عن الإمام أحمد أنه رجع عن القول به ، ورأى أن القنوت في كل السنة ، كقول الحنفية .
وحكى النووي في المجموع عن الشافعية كقول الحنفية أيضاً .
قال سمير : الذي يترجح عندي القول بالقنوت في النصف الثاني من رمضان .
"دعاء القنوت"
1 - حديث الحسن بن علي " اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، وإنه لا يَذِل من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت " . رواه أصحاب السنن .
2 - دعاء عمر في قنوت رمضان ، وفيه ألفاظ ،
منها : ما رواه ابن خزيمة [ 1100 ] عن عبد الرحمن القاري قال " .. وكانوا يلعنون الكفرة في النصف : اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ، ويكَذّبون رسلك ، ولا يؤمنون بوعدك ، وخالف بين كلمتهم ، وألقِ في قلوبهم الرعب ، وألقِ عليهم رجزك إله الحق " .. ثم يصلي على النبي ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير ، ثم يستغفر للمؤمنين ، قال " اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفِد ، ونرجو رحمتك ، ونخاف عذابك الجِدّ ، إن عذابك لمن عاديت ملحِق " .
وورد عند عبدالرزاق في المصنف [4969]
والبيهقي [2 / 210 ] بلفظ " اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، وألّف  بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، وانصرهم على عدوك وعدوهم ، اللهم العن كفرة أهل الكتاب ، الذين يكذبون رسلك ، ويقاتلون أولياءك ، اللهم خالف بين كلمتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين .
بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ، ونثني عليك ، ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك .
بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفِد ، نرجو رحمتك ، ونخاف عذابك ، إن عذابك بالكفار ملحِق " .
قال سمير : قوله هنا " إليك نسعى " أي : لك نعمل ، لأن السعي هو العمل .
وقوله " نحفد " بكسر الفاء ، أي : إياك نخدم .
والحفد معناه الخدمة .
وحفَدَة الرجل : خَدَمُه وأعوانه .
وقوله " عذابك الجِدّ " أي : الحَقّ ، من قولهم : جَدّ فلان في هذا الأمر ، إذا صحّح عزمه فيه .
وقوله " ملحِق " : معناه : أنت تلحِق العذاب بالكفار . أي توقعه عليهم .
انظر تهذيب الآثار للطبري [ 6 / 241 ] .
"الإطالة في القنوت"
ومما سبق إيراده من أدعية للقنوت ، تعلم مقداره ، وأنه لا يطوّل فيه .
فقنوت الحسن ، قد يستغرق نحو دقيقة ، وأما قنوت عمر فهو أطول من ذلك ، ولا أظنه يتجاوز الدقيقتين .
وقد اختار النووي قنوت الحسن ، ثم ذكر أنه لو قنت بدلاً عنه بقنوت عمر فحسن .
ثم قال "وأما الجمع بين القنوتين ، فيكون في حال الانفراد ، أو أن يكون إمام قوم محصورين في العدد ، بحيث يرضون بالتطويل " .
قال سمير : تأمّل - رحمك الله - كيف جعل الجمع بين القنوتين تطويلاً ، وأجازه حال الانفراد ، أو إذا قُدّر أن يصلي الإمام بعدد محصور يرضون مثل هذه الإطالة ، التي لا تكاد تتجاوز الثلاث دقائق .
هذا مع كون القنوتين مأثورين عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن عمر ، فكيف بما يفعله كثير من أئمة هذا الزمان من إطالة ممجوجة ، ودعاء مسجوع ، ونياحة على الأموات ، استجلاباً للبكاء ، وتهييجاً للأحزان .
حتى غدا القنوت في المساجد ساحةً للمباهاة وشبكةً لاصطياد العوام .
وأكبر مشهد لمثل هذا تراه - للأسف - في الحرمين ، مع كثرة من ينكره من العلماء وطلبة العلم ، بل حتى العوام قد ضجِروا من مشقة رفع الأيدي وطول القيام .
ومن استقرأ ، أو استمع ، إلى فتاوى ابن باز والعثيمين والفوزان وغيرهم ، في التصريح بالإنكار لتلك المخالفات المتكررة في كل عام، من التطويل ، والصراخ والعويل ، وغيرها من الأباطيل ، ولا تجد في المقابل إلا عناداً وإصراراً واستكباراً ، فالله المستعان !
لقد أسمعت لو ناديت حياً                  ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت                 ولكن أنت تنفخ في رمادِ
" دعاء ختم القرآن "
ومما استحدث أيضاً في قيام رمضان ، دعاء ختم القرآن داخل الصلاة ، وغدا شعيرةً يتباهى بها بعض القرّاء ، ويتداعى لها الناس ، خاصة في الحرمين ، ويضاهى بها الأعياد ، ويحصل فيها من الزحام الشديد والمشقة المفرطة والأذى المتحقق ، ما الله به عليم ، ويتكرر المشهد كل عام ، هذا مع علم المحدِثين لهذا الأمر أنه لم يثبت فيه نص صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه ، في دعاء الختم في الصلاة ، لا في قيام رمضان ولا في غيره ، فعلامَ الإصرار على فعله كل عام ، كأنه فريضة محكمة أو سنة مؤكدة ؟
وغاية ما هناك آثار لا تقوم بها حجة .
وأعلاها ما ورد عن أنس رضي الله عنه " أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا " .
رواه الدارمي في السنن [2 / 469 ] .
وهذا، أولاً : فعل صحابي انفرد به .
ثانياً : فعله خارج الصلاة .
ثالثاً : لم يجمع له الناس ، حتى صار عيداً يضاهي الأعياد !
رابعاً : ولا اخترع له حزباً يداوم عليه .
فأين هذا الأثر ، مما يفعله قرّاء الحرمين وغيرهم من بدع مركّبة ليلة الختم ؟
1 - فتخصيص دعاء لأجل الختم ، بدعة .
2 - وفعله داخل الصلاة بدعة أخرى .
لأنه قد يكون العمل مشروعاً مطلقاً ، لكنه لا يشرع داخل الصلاة .
ودعاء الختم لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا داخل الصلاة ولا خارجها، إلا إذا قيل إنه لم يختم القرآن في حياته ولا مرة !
فإذا علم يقيناً أنه صلى الله عليه وسلم قد ختمه مرات لا تُحصى ، وختمه الخلفاء الراشدون وعدد غفير من الصحابة ، ثم لم ينقل عنهم نص واحد صحيح في تخصيص دعاء ولا ذكر يقال لأجل الختم ، لا داخل الصلاة ولا خارجها ، بل تتابعوا على تركه وإغفاله، علمنا يقيناً أن ذلك الترك سنة محكمة ، وأن من فعله فقد أحدث  في الدين ، وكان فعله مردوداً عليه كائناً من كان .
3 - فإذا أضيف إلى هذا ، تخصيص ورد مرتّب ، يقال في كل ختم ، يضاهي الأدعية والأوراد الشرعية ، فهذا مُحْدث آخر ، يضاف إلى سابقيه .
4- ثم يضاف إلى ذلك كله ما اشتمل عليه دعاء الختم من مسائل ، لا تمت إلى الدعاء بصلة ، بل هي أشبه بالمواعظ والقصص ، فهذا مُحدَث رابع .
5 - ويزاد عليه أيضاً ، ذلك التطويل الشاق الممل ، وما يصاحبه عادةً من سجع وصياح وعويل ، مع التنغيم والتطريب في الدعاء، فهذه محدثات وبدع مركبة ، لا يصلح السكوت عليها ، بل يتعيّن إنكارها .
وربما احتج علينا بعض الناس بقول التابعي الكبير مجاهد " الرحمة تنزل عند ختم القرآن " .
وهذا لا حجة فيه على تركيب تلك المحدثات ، لأن الرحمة والسكينة تتنزّل عند قراءة القرآن ومدارسته .
وهذا ثابت في الصحيح " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده . رواه مسلم .
وفي الصحيح قصة أُسيد بن حضير ، حين قرأ سورة بالليل ، وجعل فرسه ينفر .. وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم " تلك السكينة تنزّلت للقرآن " . متفق عليه .
وربما احتجوا بفعل الإمام أحمد ، في دعاء الختم في قيام رمضان ، وقوله " رأيت أهل مكة يفعلونه ، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة " . المغني [ 2 / 608 ] .
فهذا من أوهى ما يُحتَجّ به في دين الله .
ففعل أهل مكة - ولو تابعهم عليه سفيان وأحمد وغيرهما - لا يستدل به في شيء ، وهذا مما لا ينبغي الخلاف فيه .
ولو فتحنا هذا الباب في الاستدلال بأفعال وأقوال العلماء الأخيار  ، ومذاهب الأمصار ، لعمّت البدع ، ولأُدخل في الشريعة ما ليس منها ، ولاندرست أكثر معالمها ، إذ ما من إمام ، ولا أهل بلد ، إلا لهم مفردات وغرائب جانبوا فيها الصواب .
بل قد ورد عن بعض الصحابة مسائل ، أنكرها عليهم الأئمة ، ويمكن أن تفرد في مجلد .
وما أحدثه بعض الأئمة من قيام ليلة النصف من شعبان ، مع ورود أحاديث فيها ، من طرق ضعيفة عديدة ، وفعل بعض التابعين، كخالد بن معدان ، ومكحول ، واشتهاره في أهل الشام ، ولم يمنعنا ذلك من إعلان الإنكار على ما أُحدث فيها ، وهو مما يوافقنا عليه قرّاء الحرمين .
ويقال هذا أيضاً في كل ما أحدثه الناس ، وإن قال به بعض الأئمة ، واشتهر العمل به في الأمصار ، كصلاة الرغائب ، في رجب، والاحتفال بليلة الإسراء ( التي يُزعم أنها في رجب ) ، وبليلة المولد في ربيع .. الخ .
فلم يمنع ذلك من إعلان الإنكار لها ، وتبديعها ، عملاً بالأصول الشرعية في سنة الفعل والترك . قال أبو شامة عن صلاة النصف من شعبان "وقد جعلها جهلة أئمة المساجد مع صلاة الرغائب ونحوها من الصلوات ، شبكةً لجمع العوام ، وطلبٍ لرئاسة التقدم ". الباعث [56].
قال سمير : ويقال مثله في دعاء الختم .
هذا وقد ورد إنكار دعاء الختم عن الإمام مالك ، حيث قال "ليس ختم القرآن في رمضان بسنة للقيام " . المدونة [ 1 / 288 ] .
وقال أيضاً " ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن ، وما هو من عمل الناس " .
المدخل لابن الحاج [ 2 / 299 ] .
ثم إننا نقول للمتعصبين لمذهب الإمام أحمد في الختم ، أتوافقونه في كل مذهبه ، أم تخالفونه في البعض ؟
أليس من مذهبه - رحمه الله - الترخيص في التعريف في الأمصار عشية عرفة ، وهو الاجتماع في المساجد بعد العصر ، للذكر والدعاء .
واحتج الإمام أحمد بفعل ابن عباس وغيره .
وأنكره الأئمة ، كمالك ، لعدم ثبوته في السنة وعمل الصحابة ، وقال " ليس هذا من أمر الناس ، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع " . الباعث [ 44 ] .
وقد بدّع التعريف كثير من أهل العلم ، ومنهم المفتي السابق ابن إبراهيم - رحمه الله - وتابعه عليه الشيخ البراك .
ومن مشهور مذهب أحمد جواز القراءة عند القبور ، واحتج على جوازها بما ورد عن ابن عمر في ذلك .
وخالفه كثير من علماء بلاد الحرمين ، وصرّحوا ببدعيتها .
واستمع لكلام الشيخ ابن باز ، رحمه الله ، حيث ذكر أن الواجب عرض ما تنازع فيه الناس على الكتاب والسنة وما أجمع عليه أهل العلم .
ثم ذكر أن ابن عمر له اجتهادات خالف فيها السنة .
ثم قال : إن الأئمة السابقين ، كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم ، لهم المنزلة العظيمة عندنا وعند غيرنا من أهل العلم ، ولكن لا يلزم من ذلك أن نوافقهم فيما أخطأوا فيه .
وللإمام أحمد مذهب فيما لو حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ، فاختار صيامه تبعاً لمذهب ابن عمر .
وخالفه أكثر العلماء المعاصرين في بلادنا .
ولو ذهبنا نتتبع مثل تلك المسائل ، لطال بنا المقام .
وحسبنا ما أوردناه هنا ، والله تعالى أعلم .

وكتب سمير بن خليل المالكي
مكة المكرمة

الثلاثاء ٢/ رمضان / ١٤٣٧هـ

الاحتفال بليلة الإسراء

"الاحتفال بليلة الإسراء"

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد ، فقد أحدث في الأمة الإسلامية احتفالات بذكرى بعض الليالي والأيام التي حدثت في صدر الإسلام ، ومنها الاحتفال بذكرى ليلة الإسراء والمعراج، التي يزعم كثير من الناس أنها ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا عن التابعين ولا عن الأئمة الأعلام في تعيين هذه الليلة شيئ.
كما لم يرد عنهم الاحتفال بها بتخصيص عبادة تفعل فيها، من صلاة ولا ذكر ولا دعاء، ومضت القرون الفاضلة والأمة على هذا الحال، حتى ظهر فيها مثل تلك البدع، وفشت في الأمة وتلقفها الجهال والأغمار، ولم تزل في ظهور وازدياد إلى هذا الزمان ، حيث صارت تشهر عبر وسائل الإعلام المختلفة.
وقد انبرى عدد من الأئمة الأعلام للرد على من زعم أن حادثة الإسراء كانت في رجب، وصنّفوا في ذلك مصنفات مشهورة، وذكروا أنه لم يصح في رجب حديث ولا أثر في تخصيصه بصلاة ولا صيام ولا عبادة.
قال ابن حجر العسقلاني في كتابه " تبيين العجب بما ورد في شهر رجب ً ما نصه < لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيئ منه معين ، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة.
وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره ..> . ( ص 2 ).
ثم ذكر الحافظ ابن حجر جملة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضل رجب وصيامه وصيام بعض أيامه، وأطال الكلام فيها.
ومما ذكره الحافظ صلاة الرغائب، وهي صلاة ليلة أول جمعة من رجب، يسبقها صيام الخميس، ثم يصلى بين العشائين ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وسورة القدر ثلاث مرات، وقل هو الله أحد ثنتي عشرة مرة.. الخ.
ثم نقل الحافظ عن بعض الأئمة قوله: هذا حديث موضوع، ووافقه على ذلك.
ومما ذكره الحافظ، أيضاً، حديث فضل صيام يوم السابع والعشرين، وضعّفه.
ثم ذكر الحافظ أثرين في صيام رجب وصحح إسنادهما:
الأول: عن ابن عباس أنه كان ينهى عن صيام رجب كله، ألا يتخذ عيداً.
والثاني: عن عمر بن الخطاب أنه كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن الطعام حتى يضعوها فيه، ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه.
ثم قال الحافظ: فهذا النهي منصرف إلى من يصومه معظماً لأمر الجاهلية.
أما إن صامه لقصد الصوم في الجملة، من غير أن يجعله حتماً، أو يخص منه أياماً معيّنة، يواظب على صومها، أو ليالٍ معينة يواظب على قيامها، بحيث يظن أنها سنة.. فلا بأس به، فإن خص ذلك، أو جعله حتماً، فهذا محظور، وهو في المنع بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم < لا تخصّوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام > رواه مسلم.
قال سمير: تأمل ما ذكره الحافظ هنا في تخصيص يوم معين أو ليلة معينة بعبادة، بحيث يظن أن لها فضلاً على غيرها - من غير دليل شرعي صحيح - فهذا التخصيص هو المحظور.
وتأمل استدلاله بحديث النهي عن تخصيص يوم الجمعة بصيام، أو ليلتها بقيام، فهذا يدل على فقه متين، لأن يوم الجمعة قد صح أنه أفضل يوم طلعت في الشمس، ومع ذلك فإن تخصيصه بعبادة لم يرد فيها نص بعينها، منهي عنه.
وكذلك سائر أيام السنة ولياليها.
ومن هنا تعلم الفرق الكبير بين الراسخين في العلم، وبين من يظن أنه يعلم ويفقه، ممن ابتليت الأمة بهم، فيخترعون عبادات: صلوات وأذكار، لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم كاختراعهم لصلاة الرغائب، في أول ليلة جمعة من رجب ( وقد تقدم ذكرها ).
وصلاة ليلة النصف من شعبان، التي تسمى الألفية (مائة ركعة: في كل ركعة يقرأ قل هو الله أحد عشر مرات )، ومثل كثير من الأدعية والأذكار المخترعة التي ابتدعها الناس، وربما ورد فيها أحاديث موضوعة، فتلقفها الجهال، وظنوا أنها من القربات.
وهذه العبادات المحدثة أدرجها العلماء - ومنهم الشاطبي - تحت مسمى: البدع الحقيقية.
وأما القسم الآخر من المحدثات: فهو أن يعمل بعبادة وردت في الشرع، كالصيام والقيام، لكنه يخص أوقاتاً معينة - لم يرد فيها تخصيص في الشرع - أو يخص مكاناً معيناً، أو هيئة (أي طريقة ) معينة، أو عدداً معيناً، لم يرد في الشريعة نص صحيح بمثل ذلك التعيين والتخصيص، فهذا من البدع التي تندرج تحت مسمى: البدع الإضافية.
وانظر تفصيل الكلام على ذلك في الاعتصام للشاطبي.
فتخصيص يوم السابع والعشرين من رجب بصيام، أو ليلته، أو التي تليها، بقيام، يعد من البدع حتى لو قيل إنها ليلة الإسراء والمعراج.
فكيف إذا تبين أنها ليست كذلك، وأن الأئمة السابقين أنكروا أنها حدثت في شهر رجب أصلاً ؟!
قال أبو الخطاب بن دحية: ذكر بعض القصّاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والتجريح، عين الكذب.
وأقرّه على ذلك أبو شامة في كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث.
وذكر ابن كثير الخلاف في شهرها، فقيل: 
في ذي القعدة، أو في ربيع الأول، أو في أول جمعة من رجب، أو ليلة السابع والعشرين.
وذكر الحافظ في فتح الباري عشرة أقوال فيها.
والحاصل: أن القول بتعيين ليلتها وشهرها لم يثبت في النقل، وهذا أظهر دليل على منع الاحتفال بها وتخصيصها بعبادة، وإلا لأشهروا العمل فيها، ولما حصل مثل ذلك الاختلاف في تعيينها.
وراجع إن شئت المزيد: تبيين العجب للحافظ ابن حجر، والباعث لأبي شامة، والحوادث والبدع للطرطوشي، وزاد المعاد لابن القيم.
" تنبيه "
كتب الصحفي عبدالله خياط في صحيفة عكاظ مقالاً، قبل يومين عن صيام رجب والاحتفال بليلة الإسراء، وجاء فيه من الخلط والجهل ما لا يستغرب من مثله، وبعض الصحفيين من أمثاله يظنون أن الكلام في مسائل الدين والإفتاء فيه أمر هيّن، وأنه كلأ مباح لكل سائمة.
ولو عرفوا خطر ما يقدمون عليه، وجرم ما يفعلونه، لما تساهلوا فيه، والنصوص قاطعة بتحريم التقول على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى دينه بغير علم.
وهؤلاء اغترّوا بما فتح للناس ويسر لهم من بحث في المصنفات عن طريق الشبكة العنكبوتية وغيرها، وبما ينقل لهم عبر وسائل الإعلام من مقالات وخطب، فيظن هؤلاء أن الأمر يسير، فيتكلمون في الحلال والحرام والمعتقدات ومسائل الإيمان، وليس الأمر كذلك.
وكما أن العلوم الأخرى لها أناس قد اختصوا بها، لا يصلح أن يخوض غمارها ويغوص في أعماقها الدخلاء فيها، ممن لم يتلقّ القدر الكافي من علومها، ويتمرس عليها حتى يتمكن من سبر غوارها، ويصبح أهلاً للإفتاء فيها.. فكذلك لا يصح أن يتكلم في الدين إلا أهله.
ولن أطيل أكثر في تقرير هذا الأصل، فإنه لا يخالف فيه إلا من سفه نفسه، وعرّضها لسخرية الناس.
وسأذكر بعض ما خلّط فيه الصحفي في مقاله:
-       ذكر أنه بعد حادثة الإسراء " فشا الإسلام بمكة في قريش والقبائل كلها " .
وهذا جهل وكذب صريح، فإن حادثة الإسراء وقعت قبل البعثة بسنة أو بسنتين - أو نحو ذلك- على الخلاف المشهور، وكان أذى قريش وكفرهم وعنادهم قد استفحل، ولما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإسراء زاد تكذيبهم وعنادهم، بل ارتد بعض من كان قد أسلم.
وهذا مذكور في الأحاديث الصحيحة، واتفق عليه أهل السير.
ولهذا كانت الهجرة إلى المدينة بعدها.
وأما فشوّ الإسلام في مكة فقد حصل يوم الفتح.
وأما فشوّه في القبايل فقد حصل شيئاً فشيئاً، وزاد بعد صلح الحديبية، ثم كثر عام الوفود في السنة التاسعة.
-       قال: حتى إن لم يثبت أن ليلة 27 من شهر رجب هي ليلة الإسراء.. فما هو المانع من إحياء تلك الليلة بتلاوة القرآن والصلاة بقدر ما استطاع.
أما المنع من القيام بشيئ من ذلك هو دليل على جهل من عمله وقدم على ذلك، فرب العزة والجلال بسورة العلق، وهي السورة التي جاء في بعض آياتها { أرأيت الذي ينهى * عبداً إذا صلى .. } . الآيات.
قال سمير: هذا جهل مركب من جهالات، بعضها فوق بعض؛ إذا أخرج يده لم يكد يراها !!
والأسلوب ركيك، كأن الكاتب قد نعس وهو يكتب !
وقد تقدم بيان أن تخصيص وقت بعبادة ( ولو كانت العبادة مشروعة في الأصل: كصيام وقيام وذكر )، إن لم يرد فيه دليل خاص، فهو من البدع الإضافية، بخلاف من قام ليلة أو صام يوماً، لا ينوي تخصيصه لأجر زائد فيه، وإنما وافق ذلك يوم صيام مشروع، كالإثنين أو الخميس، أو وافق فراغاً، أو نشاطاً للقيام والصلاة والذكر، فهذا لا حرج فيه.
وقد فصّل القول في ذلك الشاطبي في الاعتصام.
وأما استدلال الخياط بآيات سورة العلق، فهو جهل آخر، أكبر من سابقه.
لأن الآية نزلت في أبي جهل وما فعله وقاله للنبي صلى الله عليه وسلم.
وتشمل بعموم سياقها من ينهى عبداً عن فعل طاعة مشروعة، وأما العبادة المنهي عنها، فلا تدخل في ذلك يقيناً.
وإلا فما يقول في النهي عن النوافل المطلقة بعد الصبح والعصر ؟ 
والنهي عن صيام العيدين ؟
وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود ؟ 
وغيرها من العبادات التي ورد النهي عنها في الأحاديث الصحيحة ؟
وكذلك النهي عن البدع والمحدثات.
ونهى أصحابه من بعده الناس كذلك عن العبادات المخترعة.
فقد صحّ أن عمر بن الخطاب كان يضرب من يتنفل بالصلاة بعد العصر.
وتقدم أن عمر كان يضرب أيدي الرجبيين ( الذين يتحرّون الصيام من أجل رجب ).
وقد ذكر أبو شامة المقدسي في كتابه الباعث، هذه الشبهة بعينها، وفنّدها.
وإني أنصح الكاتب وغيره من الصحفيين المتعالمين الذين يتسورون مسائل الدين، وهم ليسوا من حملته، ويهرفون بما لا يعرفون، أن يتقوا الله فيما يكتبون وينشرون، وألا تأخذهم نشوة الظهور والغرور، والتزلف لنيل رضا بعض المتنفذين، فإن عاقبة ذلك وخيمة - إلا أن يشاء الله أمراً آخر - فله الخلق والأمر { يقص الحق وهو خير الفاصلين } .


وكتب سمير بن خليل المالكي الحسني
مكة المكرمة
يوم الجمعة
٢٩ / ٧ / ١٤٣٧ هـ


نصيحة للشيخ المغامسي

نصيحة للشيخ المغامسي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
أما بعد ، فقد استمعت إلى كلام الشيخ المغامسي في حكم المعازف ، فوجدت فيه خلطاً في تحرير المسألة ، لا من حيث اختياره للقول بعدم التحريم ، فإن القول به مذهب قديم ، ولكن لأنه قعّد قاعدةً عجيبة في مقاله .
حيث ذكر، في معرض كلامه عن المعازف ، استدلال من حرّمها بما ورد في تفسير { لهو الحديث } أنه الغناء ، ثم رد عليه بأن هناك اختلافاً في تفسير الآية ، وبأن المعازف لا تدخل في مدلول الآية ، وليس لها ذكر ، وإنما الذي يدخل فيه هو الغناء فقط، ثم ذكر بعد ذلك ما هو أخطر من ذلك ، فقال ما مفاده : إنه لما أراد ربنا أن يحرم الربا والزنا والميتة ، أنزل آيات في تحريمها ، فلو أراد قطع العذر في حكم المعازف لأنزل آيةً صريحة فيها ، فلما لم يفعل ذلك ، ولم يثبت في حكمها إجماع ، فلا ينبغي لأحد أن يجترىء على القول بتحريمها!
قال سمير : ما ذكره الشيخ هنا يعد من المزالق التي تؤدي إلى هدم أصول الأحكام وقواعد الاستدلال ، وتسقط الاحتجاج بأكثر الأحاديث النبوية والآثار السلفية ، في العقائد والفرائض والحلال والحرام ، لأنه قل أن يثبت فيها الإجماع القطعي ، بل قد ورد في معظمها خلاف عند بعض المنتسبين للملة .
وعليه فلن يستقيم لنا الاحتجاج على المخالفين في العقائد والأحكام (على رأي الشيخ ) إلا بصريح ما ورد في القرآن ، وما صح فيه الإجماع القطعي !
وهذه الشبهة بعينها هي التي تذرع بها أكثر الطوائف المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة ، ومنهم الفرقة التي تسمى "القرآنيون" ومن نحا نحوهم ، ممن اشتهروا بإنكار السنة ، وحصر الاستدلال بالقرآن !
وقد نبتت منهم نوابت في القرن الأول الهجري ، وشنّع عليهم أئمة السلف ، ثم لم يلبثوا في ازدياد إلى أن ظهرت لهم فرق في الهند ومصر وغيرها قبل أكثر من قرن .
وعليه فإننا نقول : إن خلافنا هنا، مع الشيخ المغامسي ، ليس في حكم مسألة فرعية في الأحكام وفي الحلال والحرام ، بل خلافنا معه في المنهج العام ، وفي طريقة الاستدلال والاحتجاج بالنصوص ، والخلاف حينئذٍ خلاف أصول لا فروع .
وقد صرّحت بعض الفرق الكلامية المنتسبة للإسلام ، من الخوارج والمعتزلة وغيرها ، في مقالاتها أنه لايستدل في العقايد إلا بالأدلة القطعية - وهي آيات القرآن - وحين احتجّ عليهم أئمة السلف بالأحاديث والآثار ، عارضوهم بأنها أحاديث آحاد ، تحتمل الصدق والكذب .
ومن ثمّ أنكروا ما لم يرد في صريح الآيات : كعذاب القبر ، والصراط ، والحوض ، والميزان ، ورؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ، وانكروا أكثر الصفات الخبرية ، كالنزول ، والضحك ، والعجب ، وأنكروا أكثر صفات الذات ، كالوجه ، والعينين ، والساق ، والقدم ، والأصابع .. وأنكروا الشفاعة في أهل الكبائر ، إلى غير ذلك من المسائل المشهورة ، فقالوا : إنما وردت في أحاديث تحتمل الكذب .
وقد رد عليهم أئمة السلف ، وصنفوا المصنفات الكثيرة في العقائد والأحكام ، واحتجوا عليهم بنصوصها ، ولم يشترطوا أن تكون أدلةً قرآنية ، ولا أحاديث متواترة ، ولا أن يثبت فيها إجماع قطعي .
وذكروا في مقدمة أصول الفقه ، في مبحث الأدلة ، أن السنة قرينة الكتاب العزيز في الاستدلال بها ، وهي الأصل الثاني ، وقدموها على الأصل الثالث -الإجماع- في كل كتب الأصول ، ونقلوا الاتفاق على هذه الأدلة الثلاثة بمثل هذا الترتيب ، وهذا مما لا يكاد يجهله حتى صغار طلبة العلم .
ولم يزل نهج جماهير علماء الأمة من السلف والخلف ، حتى يومنا هذا ، الاستدلال بالأحاديث النبوية الثابتة ، ولو كانت آحاداً، في كل مسائل الدين ، صغيرها وكبيرها ، ولم يلتفتوا إلى خلاف المخالفين ، وكتب الفقه والحديث والعقيدة طافحة بتقرير ذلك ، ولم يخالفهم إلا أهل البدع والأهواء ، ممن لا يعتد بخلافهم .
ولا يحتمل مثل هذا المقال المختصر تفصيل أكثر .
حكم المعازف
وإتماماً للفائدة ، فإننا نجمل القول في حكم المعازف ، فنقول :
مذهب جماهير علماء الأمة ، تحريم المعازف ، واستدلوا عليه بجملة من الأحاديث والآثار ، الواردة في الصحاح والسنن والمسانيد.
ولم يشر الشيخ المغامسي إلى شيءٍ من ذلك في مقاله ، فخرج بهذا عن جادة أهل العلم ، ممن حرّم المعازف ، وهم الأكثر ، وممن أباحها ، وهم الأقل ، وأشهرهم أبو محمد بن حزم ، رحمه الله .
لأن الأولين احتجوا على تحريمها بثبوت الأحاديث  والآثار في التحريم ، والآخرين احتجوا على تحليلها ، بعدم ثبوت الأحاديث المحرّمة ، وناقشوها من حيث الأسانيد حديثاً حديثاً ، ولم يتذرّعوا بعدم ورود نص في القرآن ، ولا بالخلاف وعدم ثبوت الإجماع، كما فعل المغامسي - هداه الله - بل نصّ ابن حزم في آخر كلامه على أنه لو صح فيها حديث لقال به .
قال سمير : أشهر حديث وأصحه في تحريم المعازف ، حديث البخاري في صحيحه ، حيث قال : وقال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس الكلابي حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال حدثني أبو عامر ، أو أبو مالك ، الأشعري ، والله ما كذَبَني ، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول " ليكونن من أمتي أقوام يستحلّون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف .. " الحديث ( 5590 ) .
وقد أخرج هذا الحديث أبو نعيم والإسماعيلي في مستخرجيهما ، وابن حبان في صحيحه ، والطبراني في معجمه الكبير ، كلهم بأسانيد متصلة إلى هشام بن عمار ، إلى آخر الإسناد .
كما أخرج الحديث البيهقي في السنن من طريق آخر بنحوه .
انظر تفصيل الكلام في فتح الباري لابن حجر [ 10 / 52 ] .
وقد انتصر العلماء لهذا الحديث ، كالحافظ في الفتح ، ومن قبله ابن القيم في إغاثة اللهفان ، وشنّعوا على من ضعّفه ، كابن حزم ، وعدّوا القول بإباحة الغناء والمعازف من زلات وشذوذ أهل العلم .
قال الإمام أحمد " لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع ، وأهل مكة في المتعة ، كان فاسقاً ".
وقال آخر " إن أخذت برخصة كل عالم ، اجتمع فيك الشر كله " .
انظر الموافقات للشاطبي [ 5 / 134 ] .
ونقول : لو لم يكن عند القائلين بتحريم المعازف إلا هذا الحديث ، الذي ارتضاه البخاري واختاره في صحيحه ، وصححه الأئمة الحفاظ ، وانتصروا له ، ووافقهم عليه جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء والمفسرين ، لكان ذلك كافياً . كيف وقد وردت أحاديث أخرى وآثار عن الصحابة والتابعين تؤيده ؟
وليس غرضي في هذا المقال تفصيل الكلام  عن حكم المعازف ، وقد سبق الكتابة فيه من قبل .
وأختم مقالي بنصيحة أهديها لأخي الشيخ المغامسي فأقول :
أخي ، أنت رجل وفق للوعظ والتأثير في قلوب العامة ، ولديك فصاحة في الكلام ، وبلاغة في العبارة ، قلّما تجد مثلها اليوم في طلبة العلم .
بارك الله فيك وعليك ، ووقاك شر العين والحسد ، ورزقك الإخلاص في القول والعمل .
لكن مقام الوعظ والقصص شيء ، ومقام العلم والإفتاء والتأصيل والاجتهاد والفقه في النصوص ونقد الأسانيد ، شيء آخر ، فلا تقحم نفسك فيما لا طاقة لها به ، فتنادي عليها بالفضيحة أمام الخلق ، ولا تظهر المخالفة لأقوال من سبقك من الراسخين في العلم ، وتخيّل لك نفسك أنك في مصافّهم ، فإنك تعلم يقيناً ، أنك لست كذلك ، كما تعلم يقيناً أن علم جميع علماء الأرض اليوم لا يبلغ معشار علومهم ، فحسبك أن تجهد في تحرير مذاهبهم ، وفهم مرادهم ، فتختار منها أحسنه وأصوبه ، ثم تسأل ربك العافية والثبات على الحق .
أسأل الله أن يتولانا وإياك بعفوه ومغفرته وكرمه ، ويحشرنا في زمرة نبيه وعباده الصالحين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وكتب سمير بن خليل المالكي الحسني
مكة المكرمة
يوم الإثنين
٢٣/ ٨ / ١٤٣٧هـ