الخميس، 25 أغسطس 2011

الرد على من فضل قبر النبي على عرش الرحمن

الرد على من فضل قبر النبي على عرش الرحمن


 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد ، فقد أرسل إلي أحد إخواني من طلبة العلم يسأل : هل يصح أن يقال إن قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة ومن العرش والكرسي ومن الجنة ؟
وأخبرني أنه حضر خطبة الجمعة الماضية في جدة ، وأن الخطيب قرر ذلك الكلام في خطبته.
وقد استنكر السائل هذا القول ، خاصة ، وأنه صدر من طالب علم مشهور !
وقد أجبت السائل بجواب مختصر ، وأحلته على ما كتبته سابقا في كتابي " جلاء البصائر " ، حيث أوردت فيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ في هذه المسألة .
ورأيت أن أعيد ما ذكرته هناك ، حتى تعم الفائدة ، ولئلا يغتر الناس بقول أخينا الخطيب _هداه الله .
والخطيب من دعاة السنة المعروفين في جدة ، وما قاله وقرره في خطبته يعد من الأخطاء الشنيعة التي يستغرب صدورها منه ، غفر الله له ، ومع ذلك فإن هذا لا يقلل من قدره ، ولا يحط من شأنه ، لأنه ما من عالم ولا فاضل إلا وأخطأ في مسائل ، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب ذلك " القبر " ، صلى الله عليه وسلم .

و أحب أن أبدأ هنا بذكر بعض المسائل المهمة :
أولا : صحة القول أو خطؤه ، لا عبرة فيه بقائله ، بل بما وافق الحق ،
ولهذا قال معاذ بن جبل رضي الله عنه " وأحذركم زيغة الحكيم ، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم ، وقد يقول المنافق كلمة الحق " رواه أبوداود.
و قال بعض السلف : لو أخذت برخصة ( أو زلة ) كل عالم لاجتمع فيك الشر كله .

ثانيا : القول بتفضيل القبر النبوي على العرش - مع كونه بدعة - إلا أنه يتفاوت خطره بحسب اعتقاد قائله ، وأشهر من قاله من العلماء المتقدمين : ابن عقيل الحنبلي ، وتبعه عدد من العلماء ، كالهيتمي والقسطلاني والتاج السبكي وغيرهم
وهؤلاء لا يعتقدون أن فوق العرش والكرسي شيئا  - كسائر المعطلة و المفوضة - بخلاف أهل السنة ، الذين يعتقدون أن الله عز وجل مستو بذاته على العرش على الحقيقة ، استواء يليق بجلاله ، ولهذا اقشعر الإمام مالك رحمه الله ، وعلته الرحضاء ، لما سأله السائل عن كيفية الاستواء.
أما الكرسي فهو موضع قدمي الرحمن ، كما صح بذلك الأثر عن ترجمان القرآن رضي الله عنه .
فلا ينبغي لشيخ سلفي ، أن يفضل القبر الذي حوى جسد النبي صلى الله عليه وسلم ، على العرش الذي استوى عليه الملك العلي !

ثالثا : تفضيل البقاع والأمكنة ، بعضها على بعض ، لا مجال فيه لاجتهاد ولا لقياس ، بل هو من الأمور التوقيفية التي تعرف بالنص ، كما هو معلوم .
فالخوض فيها بغير نص افتئات على الشرع .

رابعا : هذا القول الذي جاء على لسان الخطيب ، مذكور في كتاب الروض المربع آخر المناسك ، وهو من أخطاء المؤلف _ رحمه الله _ وقد أنكره علماؤنا ومشايخنا ، وأذكر أن عددا من الأساتذة في الجامعات كانوا - أثناء الشرح - إذا جاءوا إلى هذا الموضع حذفوه ، أو انتقدوه وبينوا خطأه .
فكان الأولى بهذا الخطيب أن يتجنب إشاعة مثل هذه الأخطاء ، خاصة في خطب الجمعة ، التي يحضرها فئام من العوام ، وقد تثير شبهات عندهم ، أو تؤدي إلى محذور ، كتعظيم القبر النبوي واتخاذه عيدا ، ونحو ذلك من البدع المحدثة .

خامسا : إن هذا الشيخ الداعية السلفي على اطلاع واسع بما عليه أكثر الناس اليوم من تعظيم قبور الصالحين ، ومنها قبر سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولهذا ورد النهي عن اتخاذها مساجد ، فلا يصلَّى عندها ولا إليها ، ولا يُتحرى الدعاء عندها ، ولا يشد الرحال إليها ، لأن ذلك يفضي إلى الغلو فيها و تعظيمها ، ومن ثم عبادتها .
فليس من الحكمة أن يذاع في الملأ مثل هذا القول المحدث ، الذي لو فرض أنه حق ، وأن عليه أدلة من الشرع : لكان الأولى عدم ذكره ؛ صيانة لجناب التوحيد ، وسدّاً لذريعة الوقوع في الشرك .
وقد صح في الأثر " حدثوا الناس بما يعرفون " ،  علقه الإمام البخاري عن علي بن أبي طالب  .
و الناس في هذا الزمان بأمس الحاجة إلى نشر التوحيد وتعظيمه في قلوبهم ، لا إلى تعظيم القبور والمشاهد .

وأخيرا ، فإن هذا القول المحدث - أعني تفضيل القبر النبوي على الكعبة والعرش والكرسي - قد تبناه ونصره بعض دعاة الفتنة والشرك في القرون المتأخرة ، وقد رددت عليهم في كتابي " جلاء البصائر " ، وإليك نص ما كتبته هناك :
ومن المسائل الغريبة التي أورد المخالفون ، زعمهم: أن القبر النبوي أفضل من العرش والكرسي ومن جنة عدن، ومن سائر ما في الكون.
وزعمهم: أن المسجد النبوي ما شرُف ولا عظم إلا من أجل القبر. فقد جاء في قصيدة الهيتمي التي ساقها المخالف في " الذخائر".

 وبقعته التي ضمته حلقاً --- رياض من جنان تستطيل
وأفضل من سموات وأرض --- وأملاك بأفلاك تجول
ومن عرش ومن جنات عدن --- وفردوس بها خير جزيل

ثم نقل كلام محمد حبيب الشنقيطي في شرح هذه الأبيات، فقال" قال القسطلاني في "المواهب اللدنية": وأجمعوا على أن الموضع الذي ضم أعضاءه الشريفة صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض حتى موضع الكعبة، بل نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أنها - أي البقعة التي قبر فيها عليه الصلاة والسلام - أفضل من العرش. وصرح الفاكهاني بتفضيلها على السموات.." ا هـ([1]) باختصار.
وقال في موضع آخر " وكذلك يشرع  شد الرحال إلى مسجده صلى الله عليه وسلم ، الذي ما شرف وعظم إلا بإضافته إليه، ولكون قبر سيد المرسلين فيه"([2]).
والجواب: إن هذا القول من أفسد الأقوال وأنكرها، وبطلانه ظاهر  لمخالفته للأدلة الشرعية والعقلية، ولم يستند قائله على دليل أو إلى شبهة دليل، وإنما هو الظن، والظن أكذب الحديث، كما صح في الحديث([3]).
وقد فند هذا القول شيخ الإسلام رحمه الله، فقال" أما نفس محمد صلى الله عليه وسلم  فما خلق الله خلقاً أكرم عليه منه. وأما نفس التراب، فليس هو أفضل من الكعبة البيت الحرام، بل الكعبة أفضل منه، ولا يعرف أحد من العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض، ولم يسبقه أحد إليه، ولا وافقه أحد عليه، والله أعلم" ا هـ. ([4]).
وقال في موضع آخر" وكذلك مسجد نبينا ، بناه أفضل الأنبياء، ومعه المهاجرون والأنصار، وهو أول مسجد أذن فيه في الإسلام، وفيه كان الرسول يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وفيه سنت السنة، وكانت الصلاة فيه بألف ، والسفر إليه مشروعاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم  وليس عنده قبر.
والفرق بين البيت والمسجد مما يعرفه كل مسلم، فإن المسجد يعتكف فيه، والبيت لا يعتكف فيه. والمسجد لا يمكث فيه جنب ولا حائض، وبيته كانت عائشة تمكث فيه وهي حائض، وكذلك كل بيت مرسوم تمكث فيه المرأة وهي حائض، وكانت تصيبه فيه الجنابة فيمكث فيه جنباً حتى يغتسل، وفيه ثيابه وطعامه وسكنه وراحته، كما جعل الله البيوت.
ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم  في حال حياته كان هو وأصحابه أفضل ممن جاء بعدهم، وعبادتهم  أفضل من عبادة من جاء بعدهم. وهم لما ماتوا لم تكن قبورهم أفضل من بيوتهم التي كانوا يسكنونها في حال الحياة، ولا أبدانهم بعد الموت أكثر عبادة  لله وطاعة مما كانت في حال الحياة.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال" أحب البقاع  إلى الله المساجد" فليس في البقاع أفضل منها، وليست مساكن الأنبياء، لا أحياء ولا أمواتاً  بأفضل من المساجد هذا هو الثابت بنص الرسول واتفاق علماء أمته. وما ذكره بعضهم من أن قبور الأنبياء والصالحين أفضل من المساجد، وأن الدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد، حتى في المسجد الحرام والمسجد النبوي، فقول يعلم بطلانه بالاضطرار من دين الرسول، ويعلم إجماع  علماء الأمة على بطلانه إجماعاً ضرورياً، كإجماعهم على أن الاعتكاف في المساجد أفضل منه عند القبور.
وما ذكره بعضهم من الإجماع على تفضيل قبر من القبور على المساجد كلها، فقول محدث في الإسلام، لم يعرف عن أحد من السلف، ولكن ذكره بعض المتأخرين، فأخذه عنه آخر وظنه إجماعاً، لكون أجساد الأنبياء أنفسها أفضل من المساجد. فقولهم يعم المؤمنين كلهم، فأبدانهم أفضل من كل تراب في الأرض.
 ولا يلزم من كون أبدانهم أفضل ، أن تكون مساكنهم أحياء وأمواتاً أفضل، بل قد علم بالاضطرار من دينهم أن مساجدهم أفضل من مساكنهم.
 وقد يحتج بعضهم  بما روي من أن " كل مولود يذر عليه من تراب حفرته" فيكون قد خلق من تراب قبره. وهذا الاحتجاج باطل لوجهين:
أحدهما: أن هذا لا يثبت، وما روي فيه كله ضعيف. والجنين في بطن أمه يعلم قطعاً أنه لم يذر عليه تراب، ولكن آدم نفسه هو الذي خلق من تراب، ثم خلقت ذريته من سلالة من ماء مهين. ومعلوم أن ذلك التراب لا يتميز بعضه لشخص وبعضه لشخص آخر، فإنه إذاً استحال وصار بدناً حيّاً، لماَّ نفخ في آدم الروح، فلم يبق تراباً.
والوجه الثاني: أنه لو ثبت أن الميت خلق من ذلك التراب، فمعلوم أن خلق الإنسان من مني أبويه أقرب من خلقه من التراب. ومع هذا فالله يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميبت من الحي. يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فيخلق من الشخص الكافر مؤمناً، نبياً وغير نبي، كما خلق الخليل من آزر، وكما خلق صلى الله عليه وسلم  من أبويه. وقد أخرج نوح، وهو رسول كريم، ابنه الكافر الذي حق عليه القول، وأغرقه ونهى نوحاً عن الشفاعة فيه. وأكثر المهاجرين والأنصار مخلوقون من آبائهم وأمهاتهم الكفار. فإذا كانت المادة القريبة التي يخلق منها الأنبياء والصالحون لا يجب أن تكون  مساوية لأبدانهم في الفضيلة، لأن الله يخرج الحي من الميت، فأخرج البدن المؤمن من مني كافر، فالمادة البعيدة، وهي التراب، أولى أن لا تساوي أبدان الأنبياء والصالحين.
وهذه الأبدان عبدت الله وجاهدت فيه، ومستقرها الجنة. أما المواد التي خلقت منها فهي بدنه، وفضله معلوم. وأما ما بقي في القبر فحكمه حكم أمثاله. بل تراب كان يلاقي جباههم عند السجود، وهو أقرب ما يكون العبد من ربه المعبود، أفضل من تراب القبور واللحود" ا هـ ([5])باختصار.
ويقال أيضاً: إنه يلزم على ذلك القول الفاسد، تفضيل كل بقعة وطئتها قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم  أو لامسها جسده الشريف ، على سائر البقاع والمساجد، وعلى الجنة والكرسي والعرش، فلا يكون ذلك خاصّاً بالقبر أو البيت الذي يسكنه.
فهل يقول عاقل إن موضعاً قضى فيه النبي صلى الله عليه وسلم  حاجته في الصحراء أفضل من الكعبة والعرش والكرسي؟
 فإن قيل: إن التفضيل ليس للبقعة ذاتها، بل لمن حلَّ فيها، أما هي فكمثلها من البقاع.
فالجواب : هذا باطل أيضاً، فإن تفضيل الأزمنة والأمكنة والأشخاص لا يخضع لقياس، بل هو أمر توقيفي، فالله تعالى فضل بعضها على بعض، ففضل رمضان على سائر الشهور، وفضل الجمعة ويوم عرفة على سائر الأيام، وفضل المساجد الثلاثة على سائر البقاع، ومنها بيوت الأنبياء ومساكنهم التي يأوون إليها.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم  يتحنث في غار حراء، ولم يصيره ذلك أفضل من الكعبة ولا المساجد، لا في وقت تحنثه فيه ولا بعد ذلك.
* ويلزم من تفضيل القبر على الكرسي والعرش، تفضيل المخلوق على الخالق، فإن الأول إن كان قد ضمن جسد المصطفى، فالعرش الرحمن عليه استوى، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكرسي موضع القدمين([6]).
وقول يؤدي إلى مثل هذه الإلزامات الباطلة، حري بأن يطرح ويضرب به عرض الحائط.

 -----------------------
([1])    الذخائر ( ص 44- 49).
([2])  شفاء الفوائد (ص29).
([3])   رواه البخاري (10/484) وسلم (2563) بلفظ " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث".
([4])    مجموع الفتاوى (27/38).
([5])   مجموع الفتاوى (27/260-263)
([6])   رواه بن خزيمة في التوحيد (1/248-249) والحاكم (2/282).

(( العروة الوثقى ))

بسم الله الرحمن الرحيم
(( العروة الوثقى ))
الحمد لله القائل في محكم التنزيل (( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها )) .
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد ، فإن من المعلوم بالضرورة أن رأس هذا الدين وأصل أصوله وأساس أمره التوحيد ، المتضمَّن في الشهادتين العظيمتين : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ومقتضاهما إفراد الله بالعبادة والطاعة وإفراد رسوله صلى الله عليه وسلم بالطاعة والمتابعة ، فلا يدان بدين ولا يحكم بحكم إلا وفق شريعته وسنته وهديه.
وأن من أعظم مقتضياته الكفر بالطاغوت وتكفيره والبراءة منه ومن أوليائه .
والعجب كل العجب حين يهمل التنبيه إلى هذا الأصل بين المسلمين اليوم إلا من رحم الله ، وقليل ماهم ، فتجد العالم والمفتي والفقيه والخطيب والواعظ .. وهلم جراً ، يخوضون في كل علم قراءةً ودراسة وتعليماً وشرحاً وتفسيراً إلا في هذا الفقه الأكبر والعلم الأعظم ، فلا يكادون يذكرونه في شيء من المواعظ والفتاوى والخطب ، إلا تحلة القسم .
وإن ذكروه – أحياناً – اقتصروا على أقل القليل دون شرح أو تفصيل ، مع حاجة الأمة كلها وضرورتها إلى بيانه وتوضيحه والدعوة إليه وكثرة الحديث عنه وخاصة في مثل هذه الجاهلية الجهلاء التي تعيشها الأمة الإسلامية بل البشرية جمعاء .
من كلام بقية السلف
ومن وصايا الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ لعموم الأمة قوله – رحمه الله – في إحدى المناسبات العظيمة بعد أن أطال الكلام في تقرير التوحيد ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله – (( وإني إذ أقرر هذه الأصول العظيمة الواجبة الاتباع أستنهض همم إخواني المسلمين في داني الأرض وقاصيها وأستثير عزائمهم إلى التمسك بذلك والاعتناء به ، وأدعوهم إلى أن يرجعوا إلى ربهم في سرهم وعلانيتهم ويصدقوا فيما بينهم وأن تتصافَّ قلوبهم وتتوحد كلمتهم وتجتمع صفوفهم ، ويكون الهدف والقصد واحداً وهو تحكيم الشرع الشريف ورفض القوانين الوضعية التي عزل بها الكتاب والسنة ، فبذلك يقوم لنا مجدنا ونكون السباقين إلى كل خير المنصورين في كل حلبة.
قال الله تعالى (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين )) . وقال تعالى (( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا )) اهـ . انظر مجموع فتاوى الإمام [ 1 / 83 ] .
وقال - رحمه الله في مناسبة أخرى (( بسم الله الرحمن الرحيم . أوجه خطابي هذا إلى كافة المسلمين من حجاج بيت الله الحرام وغيرهم ، نصيحة لهم ، وبراءة للذمة ، ورجاء أن يتنبهوا من غفلتهم ويستيقظوا من رقدتهم ، ويصير أكبر همهم وجل بحوثهم وعامة كتاباتهم وإرشاداتهم حول تحقيق معرفة ما هم إليه أشد شيء ضرورة من بيان حقيقة ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ، بل ضرورتهم إلى ذلك أعظم وأكبر من ضرورتهم إلى الطعام والشراب ، بل أعظم وأكبر من ضرورتهم إلى النَّفَس ...
وأجد من يتكلم عن الأمور الدينية أكثرهم أو كلهم إلا من شاء الله لا يكتبون ولا يرشدون إلا في أمور هي في الحقيقة من الفروع والمكملات .
فتجد الكاتب وتجد المرشد لا يتكلم إلا حول فرضية الصلاة - مثلاً – ووجوب فعلها في جماعة ، أو الحج أو صيام رمضان أو الزكاة ، وأشباه ذلك ، أو في أشياء من المحرمات ، كالربا والتعدي على الأنفس والأموال والأعراض وغير ذلك من المعاصي والمخالفات ، ونعم ما فعلوا ، وحسن طريقاً ما سلكوا ، ولكنهم كانوا عن أهم الأهم في بعد إلى الغاية .
فقد كان خير الخلق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول بعثته ومبدأ دعوته يبدأ بالأهم فالأهم .وأقام صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنوات من بعثته قبل فرض الصلاة - التي هي عمود الإسلام – وما بعدها من الأركان ,كل ذلك في بيان التوحيد والدعوة إليه، وبيان الشرك وتهجينه والتحذير منه …
فحقيق بالمسلمين ـ ولاسيما العلماء ـ ( أن يجعلوا )كبير عنايتهم ومزيد اهتمامهم بمعرفة حقيقة مابعث الله به الرسل من أولهم إلى آخرهم وخاتمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ,وتعليمهم ذلك , والعمل به ظاهراً وباطناً ,والموالاة والمحبة والتناصح فيه والتواصي به : من توحيد الله تبارك و تعالى في ربوبيته وفي ذاته تبارك وتعالى , وأسمائه وصفاته وأفعاله , وفي إلهيته وما يستحق من عبادته وحده لا شريك له , وأنه ما في العالم علويه وسفليه من ذات أوصفة أو حركة أو سكون إلا الله خالقه لا خالق غيره ولا رب سواه.
وأن يوحد سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله بأن يؤمن أنه تعالى واحد أحد فرد صمد لم يلد لم يولد ولم يكن له كفواً أحد….
وأن يوحد تبارك وتعالى في ألوهيته بأن يفرد بجميع أنواع العبادة,فلا يعبد إلا إياه ولا يدعى أحد سواه ولا يسجد إلا له ولا يتوكل إلا عليه ولا يرغب إلا إليه ولا يستعان ولا يستغاث إلا به ,ولا ينحر ولاينذر إلا له, ولا يخشى ولا يخاف أحد سواه , ولا يرجى إلا إياه, حتى يكون سبحانه وتعالى هو المفزع في المهمات والملجأ في الضرورات , ومحط رحل أرباب الحاجات في الرغبات والرهبات وفي جميع الحالات. فهذا هو مضمون أصل الدين وأساسه المتين شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
وأصله الثاني شهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم نطقاً واعتقاداً وعملاً,وهو طاعته فيما أمر وتصديقه في جميع ما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر , وأن لا يعبد الرب تبارك وتعالى إلا بما شرعه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم , وأن تقدم محبته صلى الله عليه وسلم على النفس والولد والوالد والناس أجمعين , وأن يحكَّم صلى الله عليه وسلم في القليل والكثير والنقير والقطمير .كما قال تعالى (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ))... ومن المهم جداً اتصال المسلمين بعضهم ببعض اتصالاً خاصاً, وأن يتذاكر بعضهم مع بعض في هذه الأصول العظيمة… وأن يكونوا شيئاً واحداً في العمل بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ,يداً واحدة في الذب عن حوزة الدين, ومناوأة أعدائه من الكفار والمشركين ,فإن الأخذ بذلك هو سبب السعادة والسيادة والفوز والنجاة في الدنيا والآخرة..))
انتهى نقله باختصار من مجموع الفتاوى [1 / 88 ] .

فانظر- وفقك الله - إلى عظم اهتمام هذا الإمام بتقرير أصول الدين في المواسم والمحافل العظام , وتدبر ما جاء في وصيته للأمة من مسائل , منها:
1-تقرير توحيد الربوبية ، ومقتضاه أن الأمر كله لله وأنه سبحانه المتصرف في هذا الكون علويه وسفليه, لا شركة لأحد معه في شيئ من الأمر كما لا شركة لأحد معه في شيئ من الخلق (( ألا له الخلق والأمر )) .. (( لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ومالهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير )) ..
2- تقرير توحيد الألوهية , فلا يرغب إلا إليه ولا يخاف إلا منه ولا يستغاث ولا يستعان إلا به في سائر المهمات والأمور المدلهمات ، عدا ما أذن الله به من الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه .
3- تقرير المسائل المتعلقة بهذا التوحيد , ومنها إخلاص الموالاة في الله والبراءة ممن عاداه من الكفار والمشركين ومن شايعهم من المنافقين , وهذا من مقتضيات التوحيد ولوازمه التي لا تنفك عنه.
4- تقرير التوحيد الآخر وهو توحيد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو من توحيد الله , فلا يستقيم هذا إلا بذاك , إذ الرسول هو المبلِّغ عن الله , وطاعته طاعة لله , ومعصيته معصية لله , ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)) (( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)) .
وعليه فإن من لوازم ذلك تحكيم هديه وسنته ونبذ كل القوانين الوضعية والدساتير الأرضية التي اخترعتها أمم الغرب والشرق والتي يجمعها وصف واحد جاء في القرآن وهو(( الطاغوت)) .
وهاهنا أمر مهم , وهو أن النصوص صرحت بأنه لا يكفي مجرد المعرفة بحكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم , ولا ترديد ذلك على الألسنة دون عمل , فإن الإيمان لا يستقيم إلا بالعمل , فلابد أولاً من قصد التحاكم إلى الكتاب والسنة ، والعمل بموجب ذلك الحكم ، ثم الرضا والتسليم به .(( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)) .
ولقد كان من أعظم المسائل التي يقررها ذلك الإمام العظيم كثيراً في فتاواه ورسائله ومؤلفاته ودروسه , مسألة تحكيم الشريعة وحدها ونبذ كل القوانين الوضعية بسائر أنواعها وأشكالها , في السياسة العامة والخاصة , ولم يثنه ما كان يجده من مخالفة ومعارضة من قبل بعض الحكام والأمراء , وقلة نصرة ومعونة من قبل كثير من العلماء ، لم يثنه ذلك عن الإكثار من ذكر هذه المسألة وترديدها وتذكير العامة والخاصة بها .
5- ولقد نبه الإمام كذلك إلى أن انشغال العلماء والوعاظ والكتَّاب بالحديث عن فرائض الدين الأخرى - عدا توحيد الله - وتحذير الناس من اقتراف المحرمات الكبرى - عدا الشرك بالله - أن ذلك مع أهميته وحاجة الناس إلى بيانه وشرحه , إلا أنه ينبغي أن يقدم عليه الكلام في التوحيد ومقتضياته والتحذير من نواقضه ومبطلاته .
قلت: كيف لو رأى سماحة الشيخ الإمام صنيع أكثر علماء اليوم وانشغالهم عن تقرير الأصل الكبير , لا ببيان فرائض الإسلام الأخرى , بل بأمور أقل أهمية منها بكثير ؟!

* بل كيف لو سمع الإمام ما ينعق به طائفة ممن يسمَّون بالعلماء والفقهاء ، والعلم والفقه منهم براء , من صياح وعويل بما لا طائل من ورائه ولا مصلحة للإسلام والمسلمين من قوله , ويتعسفون في الاستدلال عليه بماهو دليل على نقيضه , ويحرفون الكلم عن مواضعه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ؟!

* وكيف لو رأى - رحمه الله - حال أكثر أهل هذا الزمان من المنتسبين إلى العلم والمشيخة ممن اتخذوا دينهم لعباً ولهواً , وغرتهم الحياة الدنيا واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً , وجعلوا الدين والفقه مطية وسخَّروه لخدمة مصالح أعداء الدين والأمة المحمدية ؟!





                   الولاء والبراء

ومن أعظم مقتضيات التوحيد ولوازمه قضية الولاء والبراء , التي هي مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وقد تواترت نصوص الكتاب والسنة على ذكرها وتقريرها ,كما تواترت نصوص الأئمة على شرحها وتفصيلها خاصة أئمة الدعوة النجدية .
ومما ورد في مصنفاتهم ورسائلهم مقالة ابن عقيل المشهورة(( إذا أردت أ ن تنظر إلى محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا إلى ضجيجهم بلبيك ، ولكن انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة )) .

وإني لا أعجب كثيراً من تصريحات كثير من الرؤساء ومن شايعهم ممن لبس لبوس المشيخة وتسنَّم بعض المناصب الدينية , بكلام ينسف أصل هذه القضية التي هي أصل الدين وأس العقيدة , وقد كثرت تلك التصريحات في العقد الأخير , وبالأخص بعد تهديد رأس الكفر والشر لدول العالم بأنه (( من ليس معنا فهو ضدنا )) .

ولا أعجب كثيراً من سكوت جماهير العلماء والوعاظ والكتاب وكتمانهم الحق في هذه القضية التي هي فوق كل قضية , فلا "الإرهاب" , كما يسمونه , ولا "التكفير" ولا "القتل" ولا "التفجير" ولا غيرها من القضايا المعاصرة بأهم بياناً وتفصيلاً وتقريراً وشرحاً ودرساً من قضية الولاء والبراء في الدين .

وإنما العجب كل العجب حقاً من تصدي أولئك وإنكارهم على كل من قام يبين للعامة في درسه أو وعظه أو خطبته هذه القضية واعتباره " معارضاً للسلطة " و "مفرقاً للوحدة" و "مثيراً للفتنة " و " مهيجاً للعامة" حتى إني سمعت من ذلك "الحفيد" تصريحاً بمنع الخطباء والوعاظ والمصلحين من الحديث عنها لأنها- كما يزعم - من المسائل العويصة الشائكة التي لا يحسنها ولا يفهمها على وجهها إلا الراسخون في العلم .
ولم يتفضل "معاليه" ببيان من هم "الراسخون" المعنيون ، وترك الأمة في حيرة من أمرها , فهذا الوصف ، كذلك ، من المسائل العويصة الشائكة , فكل منتسب إلى شيء من العلم والرئاسة الدينية يمكن أن يدعيه هو فخراً أو يصفه به أتباعه ومريدوه زوراً .


وردي على من يقول بهذا القول من وجوه:
الأول : أن هذه القضية العظيمة هي أصل أصول الملة القويمة , وهي مقتضى الشهادة العظيمة , فلا يصح أبداً أن توصف بأنها من المسائل الشائكة المتشابهة التي يعجز عن فهمها أكثر الناس , بل هي وغيرها من مسائل الاعتقاد المفروضة على العباد ، مما لا يعجز عن فهمه وفهم مراد الله منه عامة الخلق القارئ منهم وغير القارئ , وبذلك تقوم الحجة على الناس كافة .
ولو قال قائل إن غيرها من مسائل التوحيد أكثر غموضاً وأكثر تشابهاً من مسألة الولاء والبراء لكان قوله أقرب إلى الصواب والعدل .
وتعلق المشركين بالمتشابه في مسألة الشفاعة والتوسل ، أكثر من تعلق المخالفين بالمتشابه في مسألة الولاء والبراء .
الثاني : أننا نرى في هذه الأزمنة المتأخرة تمييعاً صريحاً من قبل أكثر المنتسبين للعلم والسلطة لهذه المسألة العظيمة الخطيرة ، وجهلاً فاضحاً من عامة الناس بها .
فكان الأجدر والأصوب إذاً أن يُحضَّ العلماء والوعاظ والدعاة والخطباء وكل من له منبر أو وسيلة إعلام , على بيان هذه القضية وشرحها للعامة , لا أن يمنعوا من الحديث عنها .
الثالث : أن تصريحات هذا " الحفيد" وأضرابه فيها معارضة صريحة لكلام العلماء السابقين في العلم والرئاسة والمشيخة , وكان من مناقبهم التأكيد على أئمة المساجد أن يشرحوا للعامة كتاب "الأصول الثلاثة" وكتاب "التوحيد" وغيرهما من كتب أئمة الدعوة التي فصَّلت ووضحت قضية الولاء والبراء أكثر مما فصلته مصنفات العلماء السابقين .
الرابع : أن منع الدعاة وأئمة المساجد والخطباء من الكلام في هذه المسألة , يقتضي منعهم كذلك من الحديث عن سائر مسائل التوحيد والعقيدة , لأنها مثلها أو أعظم منها في إثارة الفتنة والبلبلة , وهي أجدر أن لا تفهم على وجهها.
ولئن كان شرح مسألة الولاء والبراء للعامة سيؤدي إلى تعكير صفو "الصفوة" فإن شرح غيرها من مسائل التوحيد والشرك سيؤدي – حتماً –إلى غضب وسخط جماهير غفيرة من العامة والخاصة .
الخامس : أننا لو سلمنا – جدلاً – أن شرح قضية الولاء والبراء وتفصيلها حكر على طائفة من خواص العلماء "الكبار" دون غيرهم من الخطباء "الأغمار" ! وطلبة العلم "الصغار" ! فلم لم تتفضلوا – حفظكم الله – بشرحها وتوضيحها وبيانها بدلاً من الاقتصار على التحذير من الخوض فيها ؟!
هلا شرحتم للعامة – يا رعاكم الله – معنى قول الله تعالى (( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده )) وتفسير قوله عز وجل (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم )) إلى آخر الآيات من سورة المائدة .
وقوله (( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ..)) الآية .
وقوله (( بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً . الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً )) .
السادس : أن انتشار الجهل بهذه المسألة الهامة وأحكامها بين العامة ، مع حاجتهم وضرورتهم إلى فهمها ,بل جهل أكثر طلبة العلم من الوعاظ والدعاة والخطباء بها وبتحقيق المناط فيها كما – يزعم "الحفيد" – مدعاة إلى مزيد الاهتمام بها وإلى عقد الدروس العلمية والندوات والمحاضرات والخطب في المساجد والمدارس لشرحها ، وتأليف الكتب والرسائل فيها ونشرها عبر وسائل الإعلام المختلفة ليعلمها من لا يعلمها من الخلق كافة .
أما أن يقتصر على التحذير من ذكرها ومنع المتكلمين من الخوض فيها فهو عكس للمطلوب والمفروض عقلاً وشرعاً وواقعاً .
ومهما بلغ بنا العجب والدهشة مما نراه ونسمعه من معارضة صريحة من كثير من مشايخ العصر لدعوة الحق واختيارهم مذهب الإرجاء الذي يؤدي إلى تمييع قضايا الدين ونقض أصوله ,فإن العجب الأكبر أن تصدر مثل تلك المناقضة والمعارضة وكتمان الحق وتلبيسه بالباطل ممن ينتسب إلى تلك الدعوة المباركة أو إلى أئمتها .
وقد جاء في كتاب "الأصول الثلاثة" قول الإمام في المقدمة "اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلُّم ثلاث هذه المسـائل والعمل بهن " إلى أن قال " الثالثة : أن من أطاع الرسول و وحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب والدليل قوله تعالى (( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله)). وجاء في شرح هذه المسألة قول صاحب " الحاشية " ((بل يجب عليه أن يصارمهم ويقاطعهم ويعاديهم أشد المعاداة. والمحادون لله هم الكافرون بالله وقد حرم الله موالاتهم على كل مسلم ومسلمة. والموالاة : الموادة والصداقة, ضد المعاداة. والمحادة هي المجانبة والمخالفة والمغاضبة والمعاداة . ولها أيضا ًعند أهل العلم معنيان , أحدهما : أن الكفار كانوا في حد والمؤمنون في حد .المؤمنون في حد الله ورسوله , وهو الإيمان . والمشركون في حد إبليس وجنوده , وهو الكفر. والقول الثاني: أنه ليس بين الكافرين والمسلمين إلا الحديد , يعني : القتال بالحديد "اهـ .
فهذا النص وشرحه في مثل هذا الكتاب المقرر تدريسه لطلاب المدارس في المراحل الأولية والمقرر تدريسه كذلك للعامة في المساجد على أئمتها وخطبائها ودعاتها طيلة عقود كثيرة , ولم يجرؤ قائل أن يمنع أحداً من دراسته وقراءته وتعليمه ولو كان قليل العلم , بل حتى الأمي إذا فهمه كان مطالبا ًبدعوة أهله وخاصته إلى العمل بمقتضاه , فكيف يسوغ لأحد اليوم أن يحدَّ الناس ،خاصة الأئمة والخطباء،عن تعليمه أو تعليم شيئ من مسائله للعامة بدعوى أنها من المسائل المشتبهة أو التي تثير الفتنة والبلبلة ؟ !
ومن غرائب ما سمعته من هذا " المخالف " أيضاً زعمه أن هناك أئمة وخطباء يستدلون بآيات ونصوص متشابهة من أقوال أئمة الدعوة ويضعونها في غير مواضعها ويفهمونها على غير وجهها... إلى غير ذلك مما يردده هذا " المخالف " كثيراً والذي يشهد العدول من أهل العلم والفضل أنه كلام باطل , إذ ليس هناك أي اشتباه في مسائل الدين العظيمة التي فرضها الله على عباده كافة ، وعلى رأسها مسألة الولاء والبراء , وليس هناك أصرح ولا أوضح في شرح هذه المسألة بعد نصوص الكتاب والسنة من نصوص الإمام محمد بن عبد الوهاب والأئمة من بعده .
وإليك بعض مقاطع من نصوصهم في المسألة :
1- (( إن الإنسان لا يستقيم له دين , ولو وحد الله وترك الشرك , إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض )) الإمام محمد بن عبد الوهاب .
2- (( إن الإسلام لا يستقيم إلا بمعاداة أهل الشرك , فإن لم يعادهم فهو منهم وإن لم يفعله)) عبد الله بن الإمام .
3- (( من قال : لا أعادي المشركين , أو عاداهم ولم يكفرهم , أو قال :لا أتعرض أهل لا إله إلا الله ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله , أو قال :لا أتعرض للقباب , فهذا لا يكون مسلماً)) . حسين وعبدالله ابنا الإمام .
4- (( والمرء قد يكره الشرك ويحب التوحيد , لكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك وترك موالاة أهل التوحيد و نصرتهم , فيكون متبعاً لهواه , داخلاً من الشرك في شعب تهدم دينه وما بناه , تاركاً من التوحيد أصولاً وشعباً , لا يستقيم معه إيمانه الذي ارتضاه )) . عبد اللطيف بن عبد الرحمن .
5- (( لا يستقيم للعبد إسلام ولا دين إلا بمعاداة أعداء الله ورسوله , وموالاة أولياء الله ورسوله . فمقت المشركين وعيبهم وذمهم وتكفيرهم والبراءة منهم هو حقيقة الدين , والوسيلة العظمى لرب العالمين ...لا يتصور أن يعرف التوحيد ويعمل به من لا يعادي المشركين )) .عبد اللطيف بن عبد الرحمن .




                    التكفير

وما يقال في مسألة الولاء والبراء يقال كذلك في مسألة التكفير ، فإن من أعظم مقتضيات التوحيد ولوازمه تكفير الكافرين من اليهود والنصارى والمجوس والمشركين والمنافقين والمرتدين ,كما نص على ذلك الكتاب المبين.
قال الله تعالى (( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)) (( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية)). ((ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء )) (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه)) (( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة)) (( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم ))
(( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم )) (( ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم)) .
وتكفير الكافر الأصلي لا اجتهاد فيه ولا يجوز التوقف فيه , وإنما يكون الاجتهاد والنظر في تكفير من أتى بناقض من نواقض الدين ممن انتسب إليه , من حيث الإطلاق والتعيين. وقد كثر إطلاق التكفير والردة في مصنفات الأئمة في العقائد والفرق والسنة.
وفي مصنفات الفقه المطولة أبواب مفردة في حكم المرتد وأنواع الردة.
فالتكفير إذاً حكم من أحكام الشريعة بل هو من أعظم أحكامها ، وهو من لوازم الاعتقاد , كتكفير الكافر الأصلي , وتكفير من كفره الله ورسوله ومن أجمع على تكفيره المسلمون ,كمن سب الله ورسوله أو أنكر معلوماً من الدين بالضرورة .
وكذا من نص علماء السنة على كفره وردته بسوء اعتقاد ونحلة كغلاة الفرق المخالفة من الجهمية والقدرية والرافضة , أو بأقوال وأفعال , ولو من غير اعتقاد ,كمن تولى الكافرين ونصرهم على المسلمين, ومن تحاكم إلى الطاغوت , ومن ترك الصلاة ولو كان مقراً بوجوبها , ونحو ذلك من النواقض والمكفِّرات . غير أن تكفير المعيَّن له شروط وموانع ، مذكورة في تلك المصنفات .
والمقصود بيان أن" التكفير " حكم شرعي وليس "فتنة" أو "منكراً" أو"جريمة" , كما يزعمه بعض المنتسبين إلى العلم والمشيخة والدعوة ممن (( يحرفون الكلم عن مواضعه )) ((ويبغونها عوجاً ))
صحيح أن بعض مسائل التكفير شائكة ومتشابهة , وبعض الناس يخطئون في فهمها وتنزيلها على الوقائع , وبعضهم قد يتعسَّف أو يغلو في الإطلاق أو التعيين , فيكفِّر بما لا يكفر المرء به من المعاصي والسيئات , أو يعيِّن بالكفر من وجدت موانع من تكفيره مع اقترافه لبعض المكفِّرات .
وهذا الغلو والتعسف ليس مسألة حادثة , بل هو موجود منذ القرن الأول , والخوارج على رأس القائمة في هذه الضلالة . ومع براءة دين الله من الاعتقادات الباطلة والأفعال المخالفة لهذه الفرقة الضالة , التي عانى منها المسلمون منذ ظهورها وقت "الفتنة"في عصر الخلافة الراشدة .
إلا أنه لم يتجرأ أحد من العلماء ولا العامة من أهل السنة والجماعة على القول بمنع التكفير بالكلية أوعده من المسائل المنسوخة في الشريعة .
ولم تزل كتب "السنة"وغيرها تسوق لنا مئات النصوص السلفية في الحكم بالكفر والردة والزندقة على المستحق من المخالفين مع تحذيرهم من أقوال الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة
هذا وقد ظهرت فرقة أكثر ضرراً وأظهر أثراً في الأمة الإسلامية من الخوارج وهم المرجئة , وكتب أئمة الدعوة النجدية ومناظراتهم مع مخالفيهم أكبر شاهد على أن انتشار الإرجاء في الأمة أكثر من انتشار مذهب الحرورية .
وأنت لو قلبت نظرك وفكرك في حال البلاد الإسلامية لرأيت كثرة وقوع العامة في المكفِّرات من الشرك بالله وعبادة الأضرحة والقبور والسِّحر والكهانة وسب الله والاستهزاء بشعائر الدين وإنكار شرائع معلومة من الدين بالضرورة والإعراض عن تعلم الدين والعمل به , وتقلد المذاهب الإلحادية المعاصرة كالشيوعية والاشتراكية والماسونية والوجودية والعلمانية والبعثية والناصرية...وهلم جراً.
أما السلطة الحاكمة في بلاد المسلمين فحالها لا تخفى على أحد : حرب للدين ، وتحكيم للقوانين ، وتول للكافرين ...إلى غير ذلك مما يطول ذكره .
وإذا كان هذا حال كثيرٍ من الأمة في البلاد الإسلامية , فليس من "الحكمة" ولا من مصلحة "جمع الكلمة" التحذير من الكلام عن النواقض و"التكفير" , بل الحكمة تقتضي المبالغة في التحذير من الوقوع في الشرك والكفر .
وليس من "الحكمة " في الدين ولا من "مصلحة جمع كلمة المسلمين" أن يفسح المجال لكل ناعق ممن مرد على الزندقة والشرك والنفاق والطعن في الدين ، فيقول ما يشاء ويكتب ما يشاء مما هو كفر بواح وردة عن دين الإسلام , على مرأى ومسمع من ملايين , ثم يُنكَر على من يرد عليه أو يكفِّره من أهل العلم نصحاً لله وللمسلمين وغيرة على حرمات الدين , ويشنَّع عليه وربما يمنع ويؤذى ويوقف ويستتاب لأنه قام بواجب النصيحة والذب عن الدين , تلك إذاً قسمة ضيزى ، وذلك هو الضلال المبين .




       مقتطفات من كلام أئمة الدعوة في مسألة التكفير

1- (( ومعنى الكفر بالطاغوت أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله من جني أو إنسي أو شجر أو حجر أو غير ذلك , وتشهد عليه بالكفر والضلال وتبغضه ولو كان أباك وأخاك .
فأما من قال : أنا لا أعبد إلا الله وأنا لا أتعرض السادة والقباب على القبور وأمثال ذلك ,فهذا كاذب في قول لا إله إلا الله , ولم يكفر بالطاغوت)) الإمام محمد بن عبد الوهاب .
2- (( فالله الله-إخواني - تمسكوا بأصل دينكم أوله وآخره , أسه ورأسه , وهو شهادة أن لا إله إلا الله , واعرفوا معناها , وأحبوا أهلها واجعلوهم إخوانكم , ولو كانوا بعيدين , واكفروا بالطواغيت وعادوههم وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أولم يكفِّرهم , أو قال : ما عليَّ منهم ! أو قال :ما كلفني الله بهم! فقد كذب على الله وافترى , بل كلفه الله بهم وفرض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانه وأولاده )) . الإمام محمد بن عبد الوهاب
3- ((وأنت يا من منَّ الله عليه بالإسلام وعرف أن ما من إله إلا الله , لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق , وأنا تارك ما سواه ,لكن لا أتعرض للمشركين , ولا أقول فيهم شيئاً , لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام , بل لابد من بغضهم وبغض من يحبهم , ومسبتهم ومعاداتهم..)). الإمام محمد بن عبد الوهاب.
4- (( من عرف معنى لا إله إلا الله ,عرف أن من شك , أو تردد في كفر من أشرك مع الله غيره , أنه لم يكفر بالطاغوت )) .عبدالرحمن بن حسن .
وكلام الأئمة في تقرير هذا الأصل وهو:تكفير مستحق التكفير من اليهود والنصارى والمشركين والزنادقة والملحدين , وكذا المرتدين باعتقاد أو بقول أو بعمل من المنتسبين إلى الإسلام ,كثير , وكتبهم ورسائلهم طافحة بذلك , فعجيب ممن يزعم الفهم والمعرفة بحقيقة دين الرسل ودعوتهم ودعوة الأئمة المجددين من بعدهم , ثم يكتم ذلك أو يشكك فيه أو يدلسه ويلبسه ، أو يمنع من يشرحه ويدرِّسه .
     نرقع دنيانا بتمزيق ديننا      فلا ديننا يبقى ولا مانرقع


   



                            أمثلة معاصرة

وقبل أن أختم المقال أورد أمثلة تدل على جهل كثير من المنتسبين للعلم والثقافة وبعضهم من حملة الشهادات العلمية العالية بضرورات مسائل الدين والعقيدة ووقوعهم في مزالق وطامات خطيرة ، فضلاً عن غيرهم من العامة .
1- فقد أوردت صحيفة عكاظ يوم الاثنين20/8/1425 هـ في الصفحة الخامسة كلاماً منسوباً إلى وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي ينص فيه على ((براءة الإسلام من اتهام وسائل الإعلام الأجنبية له بالتحريض على الإرهاب والعنف)) إلى أن قال أمام وفد شبابي بريطاني ((إن الدين الإسلامي يأمر أتباعه بمحبة الآخرين)).
قلت: ومثل هذا الكلام السخيف الذي تبثه على الناس وسائل الإعلام الرسمية المختلفة ,كثير يجل عن الإحصاء والحصر , فلا تكاد تقرأ مقالة أو تسمع برنامجاً يسلم من مثل هذه التفاهات المخالفة للإسلام بل المناقضة لأصوله العظام .
ولئن كان مثل تلك الطوام تصدر عن أمثال أولئك المنتسبين للعلم والثقافة , في مثل تلك المناصب العليا بين ظهراني " العلماء الكبار "!!
فكيف بالله بمن هو دون ذلك من عوام الناس في أطراف البلاد وبواديها القفار؟!
ولو فرض أن الصحيفة المذكورة قد تصرفت في الكلام المنسوب إلى ذلك المثقف , وغيرت بعض عباراته وألفاظه , فهذا لايغيِّر من الأمر شيئاً فالمشكلة قائمة بذاتها ,لأن هذا التصرف قد تم بواسطة مثقفين إعلاميين أيضاً ونشر على ملايين من البشر , وقرأه عدد لا يحصر , وما اعترض أحد أو أنكر, حتى هذه اللحظة , مما يؤكد ما قلته من ضرورة الإكثار من شرح مسائل الإسلام العظام ,خاصة مسائل الولاء والبراء والكفر بالطواغيت وتكفير مستحق التكفير .
ورداً على ما جاء في هذا الكلام المنشور في تلك الصحيفة "النشاز" على لسان ذلك "المثقف" أقول :
أولاً : لا يجوز أن ينسب أحد من الناس , مهما بلغ منصبه , إلى الإسلام رأياً أو اجتهاداً رآه هو – أو رئي له – من غير حجة أو برهان من كتاب أو سنة أو إجماع قطعي معتبر , لأن ذلك يدخل في باب التقول على الله بغير علم وهو من عظائم الأمور .
ثانياً : وإطلاق القول بأن " الإسلام بريء من الإرهاب أو العنف أو التحريض عليهما "غلط واضح لأن الإرهاب و العنف ونحوهما من المصطلحات تنقسم إلى قسمين : إرهاب و عنف بحق , وإرهاب و عنف بباطل ، فالأول مطلوب شرعاً وهو من الجهاد في سبيل الله . قال الله تعالى (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم )) .
وقال (( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال )).
وقال (( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم )).
وقال (( قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة )).
وقال في وصفه لخيار المؤمنين (( أشداء على الكفار رحماء بينهم )).
وصح في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده ..) رواه أبو داود.
وقال (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ...). متفق عليه .
وقال (نصرت بالرعب مسيرة شهر ).
إلى آخر ما هناك من نصوص محكمة من الكتاب والسنة .
ولقد مضت سنة الخلفاء الراشدين وسلف الأمة المرضيين على العمل بمقتضى تلك النصوص المحكمة من القرآن والسنة.
فجيَّش أبو بكر الصديق رضي الله عنه الجيوش لقتال الكافرين والمرتدين على حد سواء ,لم تأخذه في الله لومة لائم , وقد قال لمن ناظره في ذلك (والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه )متفق عليه.
وسيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشهورة في قتاله للكفار والتشديد عليهم طيلة فترة خلافته ، وكثرت فتوحات المسلمين وجهادهم لدول الكفر وملكوا في عهده عرش كسرى وقيصر .
وسيرته في إذلال أهل الذمة وشروطه "العمرية" مشهورة ، حتى إنه رضي الله عنه أغلظ على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه لما استعمل كاتباً نصرانياً ، وشدد في الإنكار عليه وضرب فخذه ثم قرأ (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ...)) الآية .
وكان شديداً على المخالفين من المسلمين , فكان يضرب الذين يصلون النافلة بعد العصر , وضرب "صَبيغ بن عِسْل "حتى أدمى رأسه بعراجين النخل لأنه كان يتتبع المتشابه من القرآن ويبثه في العامة , إلى أن تاب وأقلع .
وقاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخوارج وحرَّق غلاة الشيعة بالنار وتوعد – على المنبر – الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر بالجلد حد الفرية .
وأختم بمقولة الإمام الشافعي المشهورة (( حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر ويقال :هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام )) .
ثالثاً : أن الإسلام أمر أتباعه ( المسلمين ) بأن يبغضوا الآخرين ( الكافرين ) وأن يعادوهم وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة . وقد ذكرنا طرفاً من الأدلة على ذلك .
2- وإليك مثالاً آخر أصرح في بيان جهل بعض المثقفين بأصل الدين ووقوعهم في الكفر المستبين ، وهو قول أحدهم : (( مسكين أنت يا الله)) وقوله ((الله والشيطان وجهان لعملة واحدة )) تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً . وهذا الكفر لم ينشر فقط في روايات يقرؤها مئات , بل نشر على الملأ في قناة فضائية قبل نحو شهرين في حوار تم مع هذا القائل , حاول مقدم القناة عبثاً أن يحظى منه برجوع أو توبة , ولو إرضاء ومجاملة للجموع الغفيرة من المسلمين ممن يستثير حفيظتهم , ولو كانوا من مقترفي الكبائر والفجور , مثل هذا الكفر الصريح .
غير أن محاولة الإعلامي ذهبت أدراج الرياح أمام إصرار صاحب المقالة الفاجرة على موقفه ورفضه الاعتراف بالخطأ , بل إنه أنحى باللائمة على منكري مقالته ووصفهم بالتعنت والجهل ثم راح يتخبط في متاهات وطامات أخرى ويتبجح بها على الملأ. (( ومن أمن العقوبة أساء الأدب))
3- وقل مثل ذلك في تصريح لشخص آخر في حوار في القناة ذاتها قال فيه من منكر القول والزور ما يندى له الجبين , ومن ذلك اعترافه بأنه لا يرى تكفير أحد أبداً , ولا يرى التمييز بين المنتسبين إلى الملل , وكأنه يصحح قول القائل:
  عقد الخلائق في الإله عقائداً     وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه

وذاك الذي أعلن في الصحيفة "النشاز "أنه لايوجد في الإسلام شئ اسمه الولاء والبراء وزعم انه من مصطلحات الغلاة المخترعة , ولايزال يتبجح بنحو هذا الهراء في عموده الثابت دون حياء من الله ومن خلقه .
قال صلى الله عليه وسلم (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ماشئت ) .


                       تكميل

التكفير من أعظم وأخطر المسائل و الأحكام الشرعية ، فلا يجوز أن يقدم عليه الجهال ، لكنه أيضاً ليس حكراً على طائفة من أهل العلم دون أخرى ، وما يقال فيه يقال في سائر الأحكام الأخرى .
وإنما النظر في الأمور المترتبة على ذلك الحكم وتلك الفتيا ، وهذا يختص بأولي الأمر من القضاة والعلماء كإقامة الحدود والتعزيرات والعقوبات الشرعية .
ومن المعلوم ضرورةً أن من أوجب الواجبات المفروضة على الحكام والقضاة إقامة الدين والذب عن حرماته ومراعاة مصالحه ، وإقامة حدود الله على المخالفين واستتابة المرتدين ومعاقبتهم بما يستحقونه شرعاً, لا أن يستتاب المصلحون والمطوعون من المحتسبين الذين قاموا ببعض ما أوجبه الله عليهم من الإنكار على المخالفين , فذلك مما يوجب سخط الله ومقته ويحل عقوبته .
ومعلوم أن المصلحة المعتبرة شرعاً هي ما وافق شرع الله ولم يعارض نصوصه ، وأما المصالح الشخصية لذوي الرياسة والسلطة فلا عبرة بها بل هي من الهوى الذي اتخذه كثير من الخلق إلهاً .

                      خاتمة

وبعد , فقد بقي في النفس كلام كثير وشرح طويل ولكن ليس كل ما يعلم يقال , ونحن في زمن "فتنة" و "غربة" كثر فيه المخالف وطغى وتجبَّر , وقل فيه الموافق فلا يكاد يوجد له أثر, ولكن دين الله منصور ووعده بتمكين أوليائه ناجز, وإنما هو الابتلاء والتمحيص (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)) , ((ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض)) وأستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم.

وكتب سمير بن خليل المالكي الحسني المكي
28/8/1425هـ
جوال (  0591114011 )

الرد على (( طرزان الأخرق ))

الرد على (( طرزان الأخرق ))


الحمد لله الذي خلق خلقه في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه فقد ضل وغوى .
والصلاة والسلام على النبي المصطفى والرسول المجتبى ، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم واقتفى .
أما بعد ، فقد اطلعت على ما كتبه الأستاذ مشعل السديري في زاويته المعروفة في صحيفة عكاظ بتاريخ 11 / 4 / 1423هـ تحت عنوان : طرزان الأخرق ، دعا فيه إلى تحديد النسل أو تقليله ، خوف الفقر ، ودرءاً لخطر (( طوفان القحط )) كما ذكر .
وقد تكرر منه مثل هذه الدعوة في مقالات سابقة ، لكنه في هذا المقال تحمس للفكرة أكثر ، فأخطأ وزل أكثر .
وقد طرح الفكرة بأسلوبه الساخر ، كعادته في مقالاته ، التي يكثر فيها من الهمز والسخرية والتهكم بالآخرين ، ولا ينسى نفسه من حظها من ذلك ، فهو كثيراً ما يصفها بأوصاف شنيعة ، كالخيانة والغدر والكذب والولوغ في أعراض الناس واللهث وراء الشهوات …الخ وليس ذلك من قبيل التواضع أو هضم النفس ، بل هو أصدق ما في مقالاته ، فلا أحد أعرف بالإنسان من نفسه .
وهو يعمد عادة إلى مثل ذلك الأسلوب الساخر ليمرر به مثل تلك الأخطاء والمخالفات ، ويبثها في الأمة ، التي نكبت في دينها وعرضها وأرضها ومالها وأنفسها ، ما شاء الله أن تنكب ، فجاء الأستاذ ومن على شاكلته من الكتاب المخالفين ليجهزوا على ما بقي للأمة الإسلامية من ذلك ، متسترين بالحرص على مصالح الأمة والنهوض بها من كبوتها ، وما علموا أنهم وأمثالهم من أعظم أسباب تلك الكبوة التي ابتليت بها الأمة .
والأستاذ ذرب اللسان ولع بتنقص الآخرين ، لا يقيم لكلامه وزناً ، ويخوض في كل شيء ، ويهيم في كل واد ، ولا يكترث بما يقول وما يكتب ، فكل ما يعن له يقوله ، وكثيراً ما يقول كلاماً لا معنىً له ليملأ به فراغ زاويته ، وكم في الزوايا من بلايا .
وليته اقتصر على مثل تلك المقالات ، التي لا تحمل كبير معنى ، أو تلك التي ينقل فيها رسالة ويبث منها لمتظلم شكوى ، دون الخوض في مسائل الشرع التي لا يحسنها وليس هو أهلاً للخوض فيها ، فهو لا يعدو أن يكون من العوام ، وإن كان قارئاً وكاتباً .
ولعل القراء يذكرون ما كتبه الشيخ صالح بن حميد تعقيباً على إحدى مقالاته ، وكيف رد هو على ذلك التعقيب ، بأسلوبه المعتاد ، ولم يذعن للحق ولم يقبل النصيحة بل ظل سادراً في غوايته متبجحاً بأخطائه ومخالفاته ، وماله لا يفعل ذلك وقد فسح له ولأضرابه المجال في صحفنا التي تحتفل بكل ناعق من المخالفين والمستغربين ، والطيور على أشكالها تقع .
ومن ذلك تبجحه بالرد على الشيخ وجدي غزاوي ، في مسألة ذكرها الشيخ في لقاء تلفزيوني ، وهو من طلبة العلم المعروفين المشهود لهم بالخير والصلاح والدعوة والخطابة والموعظة ، ولكن الأستاذ لم يعجبه ما قاله ، فرد عليه في زاويته بطريقته المعتادة في اللمز والتنقص والسخرية ، حيث بدأ مقالته العرجاء بوصف الشيخ بأنه ذو وجه طفولي ، ولم يتأدب الكاتب بآداب الإسلام ، ومن ذلك ما قاله الله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم )) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (( بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم )) والإنسان لا يحاسب على شكله وصورته ، وإنما يحاسب على قوله وفعله .
وليعلم الكاتب أن هذا الشيخ من نوادر الخطباء البلغاء ، ولو أراد أن ينتصر لنفسه لما أعيته العبارة ولما أعوزه البيان عن أن يلقم هذا الكاتب حجراً ويفحمه ويسكته .
ولعل الكاتب اغتر بسكوت الشيخ وغيره من الفضلاء على ما ناله من مقالاته من سفه وسخرية وتهكم ، فاستمر على ذلك الأسلوب وتمادى فيه ، وظن أنه أبلغ منهم حجة وأفصح منهم بياناً ، ولم يدر المسكين أنهم ربما سكتوا عنه إعراضاً عنه ، عملا بقول المولى عز وجل (( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ))
على أنه قد أبيح لهم الانتصار ، لو أرادوا ، كما قال الله تعالى (( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون )) وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة – رضي الله عنها – لما سبتها إحدى نسائه ، فقال (( دونك فانتصري )) .
ولو فرض أن هذا الكاتب لا يبارى في الجدل والخصومة فإن هذا لا ينفعه ولا يقربه من الله زلفى ، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم )) متفق عليه .
ومن أنعم الله عليه بشيء من الفصاحة والبيان ، فصرف هذه النعمة في نصرة الحق والذب عن حرمات الدين والمسلمين ، فقد ولج باباً من أبواب الجهاد . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان - رضي الله عنه – (( اهجهم وروح القدس معك ))
وأما من استعمل تلك النعمة لإبطال الحق وإثارة الشبهات وغمط الناس ، وتكثير سواد المخالفين، فقد ولج باباً من أبواب الإلحاد والزندقة .
وليحذر هذا الكاتب أن يكون ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن شر الناس منزلة عند الله من تركه الناس اتقاء فحشه )) رواه البخاري .

وبعد ، فهذه مقدمة بين يدي الرد على مقالة الكاتب الذي وصف نفسه بـ (( طرزان الأخرق )) وتناول فيها مسألة من المسائل الكبيرة في الدين ، وخاض فيها وهو لا يحسن الخوض في مسائل أصغر منها وأوضح ، لكنه العجب بالنفس والتيه والكبر ، وقبل ذلك : (( الجهل المركب )) الذي هو من أخص سمات هذا الكاتب .

وألخص تعقيبي على المقال المذكور في المسائل الآتية :
أولاً : مسألة تحديد النسل ، أو تنظيمه ، مسألة شرعية ، لا يصلح أن يخوض فيها إلا أهلها ، وهم العلماء وطلاب العلم ، أما الصحفيون والكتبة وغيرهم من ذوي التخصصات المختلفة فلا مقال لهم في ذلك ، سوى سؤال العلماء واستفتائهم ، عملا بقول الله تعالى (( فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )) وإذعاناً لقوله (( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً )) .

ثانياً : إن الخوض في مثل هذه المسائل الشرعية ليس بالأمر اليسير الذي يكفي الخائض فيه حفظ بعض النصوص وقراءة صفحات لبعض الكتب ، ليناظر فيها ويجادل ويبدي ويعيد ، بل الأمر أكبر من ذلك ، فهناك ضوابط وأصول وقواعد لا بد للفقيه من معرفتها وفهمها واستحضارها ، ومعرفة مواضع الإجماع والخلاف ،إلى غير ذلك مما ينبغي للمفتي معرفته قبل أن يصدر فتواه .
ولا ريب أن مثل هذا الكاتب يجهل كل هذه الأمور أو جلها .

ثالثاً : استدل الكاتب بحديث (( كنا نعزل والقران ينزل )) على مسألة الحد من تكثير النسل خشية الفقر ، وهو استدلال في غير موضعه ، فإن الصحابة لم يذكروا أنهم فعلوا ذلك خشية الفقر أو القحط أو غير ذلك مما يعنيه الكاتب ، بل لم يذكروا أيضاً أنهم فعلوه تنظيماً للنسل كما زعم الكاتب بقوله (( معناه أنهم
ينظمون النسل بشكل أو بآخر )) . فلعلهم فعلو ذلك لمقاصد أخرى مباحة .
قال ابن قدامة في المغني [ 10/228 ] (( والعزل مكروه .. لأن فيه تقليل النسل وقطع اللذة عن الموطوءة ، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على تعاطي أسباب الولد .. إلا أن يكون لحاجة ، مثل أن يكون في دار الحرب فتدعوه حاجته إلى الوطء ، فيطأ ويعزل .. أو تكون زوجته أمة ، فيخشى الرق على ولده .. )) ا هـ باختصار .
ثم لو فرض أنهم فعلوه تنظيماً للنسل ، كما زعم الأستاذ مشعل ، فإن هذا لا يعني إباحته خشية الإملاق أو (( طوفان القحط )) ، فإن النيات والمقاصد معتبرة في الأقوال والأفعال ، كما في الحديث المشهور (( إنما الأعمال بالنيات )) . فإباحة العزل لغرض مباح وقصد حسن ، لا يقتضي إباحته بكل قصد .
ومن دعا إلى تقليل النسل خشية الفقر فإن فيه شبهاً بفعل الجاهلية الأولى الذين كانوا يقتلون الأولاد من فقر أو خشية الفقر . قال الله تعالى (( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم )) .
قال ابن كثير في تفسيره (( كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ، بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته ، فنهى الله عن ذلك ، فقال (( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق )) أي : خوف أن تفتقروا في ثاني الحال )) ا هـ .

رابعاً : قال الكاتب (( لماذا لا نكون شجعاناً .. ونجمع علماء الدين وعلماء الاقتصاد والاجتماع .. ونغلق عليهم الباب بمفتاح الصرامة ، ونقول لهم : لا تخرجوا من هذا الاجتماع إلا وقد تحملتم المسئولية وأعطيتم بصيص أمل لهذا الشعب المندفع كأي قاطرة بدون فرامل )) .
وأقول : هذه العبارة السمجة لا تليق بأهل العلم ، بأن يقال فيهم (( نجمع .. ونغلق عليهم الباب .. ونقول : لا يخرجوا من هذا الاجتماع ….)) الخ .
والكاتب قد اعتاد على هذا الأسلوب الساخر ، وهو في الواقع إنما يسخر من نفسه ، فمكانة العلماء ، ورثة الأنبياء ، تحتم على الناس توقيرهم واختيار أحسن الكلام وأجمله عند مخاطبتهم ، ولكن هذا عند العقلاء ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت )) .
وفي قصة موسى عليه السلام مع الخضر عبرة لمن يعتبر .
ثم إن من العجب أن يطلب الكاتب من العلماء أن يجتمعوا ليقرروا ما يمليه هو عليهم ، وهذا من فرط جهله وغروره وتعاظمه في نفسه، وكان الصواب أن يلتمس من أهل العلم أن يصدروا فتوى في المسألة مفصلة ، ليتبعها عامة الناس ويعملوا بمقتضاها .
وليعلم الكاتب أن مثل هذه المسائل الشرعية لا يحق لغير المختصين من أهل الفقه والفتوى والعلم الشرعي أن يقحموا أنفسهم في الكلام فيها ، لا من الأدباء ولا من الاقتصاديين ولا من غيرهم ، وإنما قد يحتاج العالم المفتي إلى سؤال ذوي الاختصاصات الأخرى عن بعض ما لديهم مما يستعين به على إيضاح الأمر قبل فتواه .
أما مشاركة هؤلاء في الحكم والإفتاء وجعل آرائهم مقارنة أو مساوية لأقوال العلماء والفقهاء ، فأمر مرفوض .

خامساً : قال الكاتب (( أليست الضرورات تبيح المحظورات أيها الزهاد في الدنيا ؟ وهل هناك ضرورة أكثر من كبح هذا الغول المتربص بنا ))؟.
وأقول : هذا الكاتب يهرف بما لا يعرف ، والقاعدة الفقهية التي ذكرها لا يحسن هو ولا من على شاكلته فهمها ولا تطبيقها ، ويحتاج الخائض فيها إلى تعلم مسائل كثيرة أخرى معها ، كما يحتاج إلى معرفة معنى الضرورة في المصطلح الشرعي ، والفرق بينها وبين ما يظنه كثير من الناس من الضرورات ، وهو من الحاجيات أو التحسينيات ، أو غير ذلك .
فليس كل ما ظنه الناس ضرورة يكون كذلك . هذه مسالة .
والمسألة الأخرى : أن هذه القاعدة لا تعني استباحة كل محظور لكل ضرورة ، وقد شرط أهل العلم أن لا تكون الضرورة أنقص من المحظور .
وقد ينشأ من ارتكاب ذلك المحظور ، محظورات أخرى أخطر مما قد يظن أنه ضرورة يستباح من أجلها .
ثم يقال بعد ذلك إن اعتبار هذا الأمر ضرورة ، واستباحة المحظور المعين من أجله ، هو من تحقيق المناط ، وهو أمر لا يخص الأستاذ بحال من الأحوال ، بل هو موكول للعلماء .
وأما عبارته التهكمية (( أيها الزهاد في الدنيا )) فأتركها للأستاذ يصرف معناها ويوجهها ، هذا إن كان لها معنىً عنده .

سادساً : قال الكاتب (( صحيح أن كل مخلوق يولد ورزقه معه ، وصحيح أيضاً أن لا أحد سوف يموت إن شاء الله من الجوع ، ولكن التجارب تفقأ أعيننا بمناظر لبشر من الأحياء وهم أشد بؤساً من الأموات )) .
وأقول : عاد الأستاذ إلى المغالطة ، فهاهنا ثلاث جمل ، صدر الأوليين منها بقوله (( الصحيح …)) ، وسكت عن الثالثة ، وكأنه قد عرف أنها جملة مرفوضة مطرحة ، وهي كذلك ، إذ لا قيمة واعتبار لما يناقض (( الصحيح )) المجمع عليه ، والذي صرح الكاتب بصحته ، فلنطرح الجملة الثالثة التي بدأها بقوله (( ولكن ….)) الخ خاصة وفيها ما يفقأ عينه ، ونحن نشفق عليه من ذلك ، ونشفق على الناس كذلك ، إذ حاله ومقاله كما رأيت ، قبل أن تفقأ عينه ، فكيف يكون بعده ؟ .
قال تعالى (( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها …)) الآية .

سابعاً : وأغرب من ذلك استدلال الكاتب بسورة التكاثر للحد من تكثير النسل ، وهذا من جهله بمعاني القران ، ولعله لم يستحضر من محفوظاته من كتاب الله ما يدل على معنى الكثرة والتكاثر سوى هذه السورة ، التي لا تدل على حال من الأحوال على ما يرمي إليه .
ولو أن الأستاذ أمعن قليلاً وفكر وتدبر في آيات الكتاب العزيز لوجد ما يدل على نقيض ما ذهب إليه . فالآيات قد صرحت بأن كثرة العدد من النعم التي تستوجب الشكر والحمد ، لا من النقم والمصائب التي تستلزم الصبر والاحتساب .
قال تعالى (( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً ))
وقال سبحانه على لسان نبيه شعيب (( واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم ..)) .
قال ابن كثير (( أي : كنتم مستضعفين لقلتكم ، فصرتم أعزة لكثرة عددكم ، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك )) ا هـ .
فجعل الكثرة نعمة وجعل العزة في الكثرة .
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم )) رواه أبو داود والنسائي .
فما يدعو إليه الأستاذ وأضرابه من تقليل النسل، تحديداً أو تنظيماً يعارض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويخالف ما جاء في كتاب الله.
وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بأن يكثر الله ماله وولده .
ففي البخاري أن أم أنس بن مالك رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لأنس . فقال (( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته )) .
ثم إن مسألة الفقر والغنى والقحط والغيث والمرض والصحة ، وغيرها من أقدار الله في الناس ليست من الأمور الخاصة بهذا الزمان ، ومن قلب النظر في كتب التاريخ رأى العجائب ، ومع ذلك ، فإننا لم نقرأ أن عالما من علماء الإسلام أفتى بتحديد النسل بل حتى في زمن الطاعون ، لم نسمع أن أحداً أفتى بقطع النسل من أجله .
فهذه الدعوة منشؤها ومبدؤها جاهلي ، في القديم والحديث ، فلا يليق بالأستاذ أن يبثها في المسلمين .

ثامناً : ختم الأستاذ مقاله بدعاء قال فيه (( اللهم تب علي ، وأنا عبدك الطائع الذي لا يدري كيف يخدم إخوانه )) .
وأقول : أما الدعاء بالتوبة فكلنا مفتقر إليه ، غير أن من شروط قبولها الندم على فعل المعصية وتركها والعزم على أن لا يعود إليها ، فهل يفعل ذلك الأستاذ ، فيخلص مقالاته وينقيها من كل ما يشينها من مخالفات شرعية ، ويندم على ما كتب من قبل ، وقد لا يكفيه ذلك في قبول توبته حتى يعلن براءته مما خالف فيه شرع الله .
وقد قال سبحانه وتعالى (( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى )) ولا يغتر الأستاذ بما يزينه له المخالفون ، فإنهم ، والله ، لن يغنوا عنه من الله شيئاً .
وأذكره بقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ (( وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم )) .
وقوله (( .. وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ، وما يظن أنها تبلغ ما بلغت ، فيكتب بها عليه سخطه إلى يوم القيامة )) .
وليحذر كل قائل أو كاتب من مغبة كلمة يقولها أو يكتبها يضل بسببها من يضل من عباد الله ، فيتحمل تبعتها ووزرها ، ووزر من ضل بها ، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا .
قال تعالى (( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون )) .
وكان العلاء بن زياد يذكر الناس ويخوفهم النار ، فقالوا : لم تقنط الناس ؟ فقال : وأنا أملك أن أقنط الناس ؟ والله تعالى يقول (( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله .. )) . ثم قال (( ولكنكم تحبون أن تبشروا بالجنة على مساوئ أعمالكم )) .
وأنبه الأستاذ إلى كلمة وردت في تتمة دعائه ، وهي قوله (( .. وأنا عبدك الطائع ..)) والأولى في مثل هذا المقام ، الذي هو مقام إظهار الفقر والحاجة والضعف والذلة والمسكنة ، أن يقول مثلاً (( وأنا عبدك المذنب ، المسيء ، المسرف على نفسه ، …)) ونحوها ، وكذلك كان دعاء الأنبياء والصالحين . (( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )) . (( قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي )) .
ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (( اللهم اغفر لي جدي وهزلي ، وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي )) .
والله أعلم ، وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


وكتب : سمير بن خليل المالكي
13/ 4 / 1423هـ