الحمد لله حق حمده ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
قال الله تعالى {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا
في دينكم غير الحق}
وقال صلى الله عليه وسلم (إياكم والغلو
في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين). رواه أحمد والنسائي.
أما بعد ،
فقد قرأت مقالة للشيخ صالح الفوزان بعنوان
: "ثناء بلا غلو" ، رد بها على غلو كاتب صحفي في مدحه لملك هذه البلاد، حيث
وصفه بقوله: (وإبصار ما كان وما هو كائن وما سيكون ..)
ولي تعليق وإضافة على مقالة الشيخ الفوزان
_ حفظه الله وسدد خطاه.
أولاً/ تساهل الشيخ صالح في نقده لعبارة
الصحفي، حيث اكتفى بوصف تلك العبارة الشنيعة بأنها "عبارة جريئة" !
مع أنها تستحق وصفاً أكبر من ذلك، وإنكاراً
أشد من ذلك، فإن مثل تلك المقالة تعد شركاً في القول (ولا يقتضي هذا ، بالضرورة، تكفير
قائلها)
ولست أدري: لم تلطف الشيخ في نقد مثل هذا
الغلو الفاحش، في حين نجده يغلظ القول على من يخطئ في مثله أو أقل منه، في مدح النبي
صلى الله عليه وسلم؟
هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولى
بالثناء والحمد من كل مخلوق.
بل نراه _ وكثيراً من المشايخ _ يغلظون
القول في نقد بعض بدع العوام القولية والفعلية، التي لا تصل إلى الشرك، وربما تكون
من البدع الإضافية المشتبهة، ثم يتساهلون _بل قد يسكتون_ عن إنكار ما هو أعظم منها،
من المقالات الشنيعة، التى تقال في مدح بعض الأمراء والملوك!
ولم أجد في مقال الشيخ تصريحاً بحكم إطلاق
تلك العبارة الشركية، بما تستحقه وبما يستحقه الكاتب، بل اكتفى بقوله: (والملك حفظه
الله لا يزيد في قدره هذا المدح والإطراء)
وقوله: (والمطلوب من الكاتب وفقه الله ومن
كل مسلم أن تكون ألفاظه وكتاباته وفق العقيدة الصحيحة)
قال سمير:
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم على مقالة أهون من مقالة ذلك "الصحفي" بالشرك.
فحين قيل له "ما شاء الله وشئت" قال "أجعلتني
لله عدلاً ؟ بل ما شاء الله وحده " . رواه أحمد.
ولا ريب أن مقالة (ما شاء الله وشئت)، أخف
وأهون من مقالة الصحفي بكثير.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير
الله فقد كفر أو أشرك). رواه الترمذي.
وليس الشرك هنا الشرك الأكبر، بل هو شرك
أصغر، مالم يصحبه اعتقاد يصيره أكبر.
تنبيه:معلوم أن هناك فرقاً بين الحكم على القول والفعل، وبين
الحكم على القائل والفاعل.
ثم أقول : لو أراد الشيخ أن يتلطف في العبارة
مع الجهال، فليكن ذلك مع الجميع، لا أن يختص ذلك بالغلاة في مدح الملوك.
ثانياً/ ورد في مقالة الشيخ صالح اختلاف
في متون الأحاديث، ولعل الشيخ رواها بالمعنى من حفظه.
حيث وردت هكذا:
١/ والرسول صلى الله عليه وسلم لما قالوا
له: أنت سيدنا وابن سيدنا، قال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، إنما أنا عبد، فقولوا
عبدالله ورسوله)
ولما قال له قوم: يا خيرنا وابن خيرنا،
قال (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان).
قال سمير:هذه الألفاظ كأنها مركبة من أحاديث، دخل بعضها في بعض.
والذي وجدته في الأحاديث هكذا:
١/ حديث (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن
مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله).البخاري [ح 3261] من حديث عمر بن الخطاب.
٢/ حديث: لما قالوا له: أنت سيدنا، قال
(السيد الله تبارك وتعالى).قالوا : وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً.
فقال (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم
الشيطان).رواه أبوداود [4806] من حديث عبدالله بن الشخير.
٣/ حديث: أن ناساً قالوا له: يارسول الله،
ويا خيرنا وابن خيرنا، ويا سيدنا وابن سيدنا، فقال (السيد الله). قالوا: أنت أفضلنا
فضلا وأعظمنا طولا. فقال: (يا أيها الناس: عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، إني
لا أريد أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله تبارك وتعالى، أنا محمد بن عبدالله،
عبدالله ورسوله).ذكره ابن الأثير في جامع الأصول من حديث أنس [9/37] في كتاب المدح.
وأخرجه الإمام أحمد في المسند [3/153] والنسائي في عمل اليوم والليلة [248،249] بلفظ
مقارب.
ثالثاً/ وردت أحاديث عديدة في ذم التمادح
مطلقاً، منها: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي بكرة ، قال: أثنى رجل على رجل عند
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ويلك ، قطعت عنق صاحبك).
ثم قال: (من كان منكم مادحاً أخاه لا محالة
، فليقل: أحسب فلاناً، والله حسيبه، ولا يزكي على الله أحداً...) .وهذا الحديث، وغيره،
لا يختص بالعامة، بل يشمل مدح الأمراء والملوك.
يؤيده ما رواه مسلم، أن رجلاً جعل يمدح
عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجعل المقداد يحثو في وجهه الحصباء (وفي لفظ : التراب)،
فقال له عثمان ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم المداحين
فاحثوا في وجوههم التراب).وأخرج ابن ماجه من حديث معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: (إياكم والتمادح فإنه الذبح).وقد يعترض على هذا ما ورد من
نصوص فيها إباحة المديح والثناء.
وقد حمل بعضهم أحاديث المنع على من يخاف
عليه من العجب ونحوه، أو من امتدح بالباطل والكذب.وقد جرت عادة المرتزقة والجهال على
مدح رؤسائهم وكبرائهم بما لا يستحقونه، طمعاً في الجاه والمال.
رابعاً/ وقد أثر عن الصحابة والسلف ترك
مدح الخلفاء والأمراء، حتى لو كانوا أهلاً لذلك.
ثم لما ظهر النقص في الأمة، واندرست القرون
الفاضلة، وفشا الظلم والجور في الولاة والرؤساء، وفشا الجهل وإيثار الدنيا، شاع الثناء
على الولاة بالباطل، وتسابق الأدباء والشعراء في ذلك حتى بلغ حد السفه.
فقد دخل أحد الشعراء على السلطان فقال:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهــــــــــار
بل وجد قبل ذلك من الرواة من حرف في الحديث،
وكذب لإرضاء بعض الخلفاء.
وقد ذكر ابن عبدالهادي في "الصارم
المنكي" ، أن السبكي ألف كتابه في الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية تقربا لبعض
الولاة.
وابن تيمية _ رحمه الله _ ابتلي كثيراً
من هذا الصنف من العلماء. والأمر معلوم لا حاجة لذكر وقائع له.
خامساً/ ونحن وإن كنا ننكر الكذب وقول الزور
من مثل أولئك المتزلفين من الشعراء والأدباء والصحفيين، إلا أن إنكارنا يشتد على من
يفعل مثلهم من المنتسبين إلى العلم والمشيخة.
وقد ابتليت الأمة بأمثال هؤلاء _ خاصة في هذا الزمان _ وربما فاقوا
أهل الجهل والغباء.
ذكر البخاري تحت باب "ما يكره من ثناء
السلطان وإذا خرج قال غير ذلك"، حديث ابن عمر، لما قيل له: إنا ندخل على سلطاننا
فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم.
فقال: (كنا نعدها نفاقا).
وذكر الحافظ في الشرح لفظاً آخر، وهو: إنا
نجلس إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون في شيئ، نعلم أن الحق غيره فنصدقهم .. الخ .
ولما طلبوا من أسامة أن ينصح عثمان قال:
(إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟ إني أكلمه في السر دون أن أفتح باباً لا أكون
أول من فتحه. ولا أقول لرجل _ أن كان عليَّ أميراً _ إنه خير الناس..) . رواه البخاري.
قال الحافظ (فيه ذم مداهنة الأمراء في الحق،
وإظهار ما يبطن خلافه ، كالمتملق بالباطل.
فأشار أسامة إلى المداراة المحمودة والمداهنة
المذمومة ). [13/52] .
قال سمير:
والخطب يعظم حين يتحول أكثر المشايخ _ خاصة أصحاب الولايات الدينية _ إلى مجرد أبواق
للسلطان ، يلهجون بالمديح لهم والثناء ، ويجعلون ذلك هجيراهم في كل محفل، حتى في المقام
الذي ينبغي فيه إفراد الله وحده بالتكبير والتعظيم والإجلال. فصرت تسمع في خطب الجمع
والأعياد (حتى خطبة عرفة) من يكيل المديح للسلطان، مع أن هذا مقام إفراد الله وحده
بالذكر والحمد والثناء.
وتفتتح مسابقات القرآن بحمد الله، باختصار
شديد، ثم يطنب في مدح السلطان والدولة !! مع أن الواجب في مثل هذا المقام إفراد الله
وحده بالحمد، وتعظيم القرآن، ثم الثناء على حملته.
ثم: يفرض على طلبة المدارس في كل صباح أن
يبكروا بتحية الملك والعلم، ثم يكرر لهم ذلك الأمر في كل مناسبة، حتى وقت التخرج، وكأنهم
إنما خلقوا لتقديس الملك والوطن لا لعبادة الله وحده؟ والأمر تعدى الحد في مدح السلطان
حتى بلغ من الإكثار مبلغا تستثقله أسماع أهل الإيمان.
فما الذي بقي من مقام المديح والحمد والثناء
، لله وحده _ خالصاً _ إذا كان يذكر معه السلطان في كل مقام؟
وأعجب ما رأيت وسمعت : أن يمتدح الولاة
والدولة عند افتتاح مشروع (خاص) !
وقد سمعت الوزير يمدح الدولة في افتتاحه
لأحد الجوامع الكبيرة التي تكفل بنفقتها بعض المحتسبين !!
وليت شعري من أولى بأن يحمد من ؟
سادساً/ وقد كان من سلف من علمائنا إذا
اضطروا أن يدخلوا على السلطان، اهتبلوا الفرصة، فوعظوه وأمروه وزجروه.
ثم انقلب الحال الآن، فصرت ترى السلطان
يعظ العلماء ويأمرهم وينهاهم!
وأعظم من ذلك: أن يتابع العلماء الأمراء
في بعض سياساتهم المخالفة للشريعة، ويثنىوا على باطلهم ، لينالوا عندهم جاهاً وعرضاً!
وفي حديث عمر مرفوعا (أتاني جبريل فقال
: إن أمتك مفتتنة من بعدك. فقلت: من أين ؟ قال: من قبل أمرائهم وقرائهم ، يمنع الأمراء
الناس الحقوق ، فيطلبون حقوقهم فيفتنون ، ويتبع القراء هؤلاء الأمراء فيفتنون..).عزاه
في فتح الباري [13/9] للإسماعيلي .
وفي الحديث (من أتى أبواب السلطان افتتن).
وفي لفظ (من لزم السلطان افتتن ، وما ازداد
عبد من السلطان دنوا ، إلا ازداد من الله بعداً). رواه أبوداود.
ولهذا نأى كبار أئمة السلف، كالأئمة الأربعة،
وابن المبارك، وسفيان، وغيرهم، عن مجالس الأمراء، وبالغوا في التحذير من مخالطتهم،
حتى إنهم هجروا من خالطهم وتقلد مناصبهم وولاياتهم الدينية، والشواهد على هذا أشهر
من أن تذكر، مع أن ولاة زمانهم كانوا أفضل بكثير من ولاة هذا العصر.
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكــــــر
وبقيت في خلف يزكي بعضهم بعضا ليدفع معور عن معور
سابعاً/ وقد رأينا كثيرا ممن تلون في مواقفه
من بعض الرؤساء، فكال لهم المديح بالباطل، ثم لما ذهبت دولتهم، أخذ يذمهم ويلعنهم.
فكيف يثق العامة بعدها في أهل العلم والدعوة؟
ورأينا من يحمد الأمر وضده، فيحمده إبان
ولاية السابق، فيأتي اللاحق ويغير الأمر، فيسارع الشيوخ في مدحه، عجبي!
ولئن سألتهم:كيف انقلب الباطل حقا؟
قالوا: ولي الأمر أبخس !
قلنا: أليس الأول كان أبخس ؟
قال الجرجاني :
ولم أقض حق العلم إن كان
كلما بدا طمع صيرته لي سلمـــــــــا
ولم أبتذل في خدمة العلم
مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرســـــــا
وأجنيه ذلة إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه
صانهم ولو عظموه في النفوس تعظمـــا
ولكن أذلوه جهــــــــــارا
ودنسوا محياه بالأطمـــــــاع حتى تجهما
وفي الختام: أسأل الله تعالى أن يصلح الرعاة
والرعية، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله أولا وآخرا..
أما بعد ، فقد قرأت ما عقب به الغامدي على من رد عليه اختلاطه في مقالاته عن الاختلاط ، فوجدت تعقيبه لا يقل سخفا وجهالة عن مقالاته السابقة ، ولم يأت فيه بجديد ، سوى التأكيد والتأييد لمغالطاته وأخطائه ، وهذا مما يدل على أن الرجل قصد أن يلبس على العوام دينهم ، وأن يقذف الشبهات لإضلالهم ، وأن مقالاته السابقة لم تكن هفوة عابرة ولا زلة طارئة .
وقد أكد لنا ، أن بضاعته في العلم مزجاة ، بل وفي الأدب أيضا ، لأنه أطلق للسانه وقلمه العنان ، في التنقص بمخالفيه ، ورميهم بما يشاء من تهم ، دون النظر في عظم قدر من خالفه ، وهم جماهير أئمة السلف والخلف .
لكنه جبن أن يصرح بالطعن فيهم ، فصب جام سفهه على كل من رد عليه ، مع أن الرادين عليه قد نقلوا كلام أئمة السلف ، وفقهاء المذاهب الأربعة ، وشراح الأحاديث ، ولم يخترعوا قولا منكرا ، أو يؤسسوا مذهبا باطلا ، كما فعل "المختلط " .
* و قد نقلت من قبل ، جملة من نصوص السنة الصحيحة ، و أقوال أئمة السلف في الرد على هذا " المختلط "، ولا حاجة إلى تكرار ما ذكرته في تفنيد شبهاته وأباطيله .
لكن لما قرأت تعقيبه الأخير في موقع " العربية نت " ، رأيت أن أتعقبه في بعض ما ذكره ، مع أنه لم يأت فيه بجديد سوى الإصرار على المعاندة والاستكبار .
* * * * *
@ زعم " المختلط " أن مقالاته السابقة كانت : " ردا على ذلك المد الباطل على حقوق الشريعة والوطن" !
قلت : من أحق بأن يتصف عمله ودعوته ب " المد الباطل على حقوق الشريعة والوطن " ، هل هم الذين استمسكوا بالعروة الوثقى والحبل المتين ، واقتفوا هدي سيد المرسلين ، وسلف الأمة الماضين ، على اختلاف عصورهم ومذاهبهم ؛ أم الذين جعلوا القرآن عضين ، وخالفوا سنن المتقين ، وتنكبوا الصراط المستقيم ، اتباعا لأهوائهم ونزواتهم ؟
" و المد بالباطل في الشريعة " ، قد عرفناه في أسلافهم من المفسدين
من دعاة " التغريب " ، ودعاة " تحرير المرأة " ، ولم يأت هؤلاء "الخلوف " بجديد ، سوى اجترار شبهات الأولين ، فالأصل واحد ، والفروع كثيرة ، لكنها تسقى جميعا وتقتات من مصدر كدر آسن .
* وأما" المد بالباطل في الوطن " ، فما رزئت الأوطان ، على مر العصور والأزمان ، بأسوأ من هؤلاء المتعالمين ، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون .
يزعمون من أكثر من نصف قرن بأن نكبة الأوطان سببها عزل النساء عن الاختلاط بالرجال في ميادين الحياة !
ويدعون أن تخلف البلدان الإسلامية سببه العفاف و الحجاب ، والمباعدة بين النساء والرجال الأجانب !
وما رأينا واحدا من أولئك صنع إبرة
فما فوقها ، ولا أسهم قيد أنملة في منفعة تعود على العباد والبلاد ، غير الثرثرة ، وإشغال الأمة بما لا فائدة فيه في معاش ولا في معاد .
مضت عشرات العقود على دعواتهم الفجة فماذا كانت النتيجة ؟
ماذا صنعت دعوة قاسم أمين وطه حسين ورفاعة الطهطاوي وهدى شعراوي ونوال السعداوي . . ، وعشرات من دعاة " التغريب" وأدعياء التجديد والحضارة والدفاع عن حقوق ( ! ) المرأة ؟
هل جلبت دعواتهم الآفنة ذرة خير أو نفع لأوطانهم ، في علم أو صناعة أو تجارة أو زراعة أو غيرها من سبل المعيشة والرخاء ؟
إن التأريخ يشهد ، أن كل أولئك الناعقين لم يكن لهم أي مساهمة ، ولو يسيرة ، في شيئ مما يزعمونه من بناء الحضارة المدنية .
وهؤلاء " المخلطون " المعاصرون هم على نفس الشاكلة ، وما رأيناهم يوما قد شاركوا في نهضة أو في عمران ، ولا قدموا نفعا للأوطان والبلدان .
* وفي مقابل أولئك وهؤلاء ، ترى مئات ، بل ألوفا ، من دعاة الخير والإصلاح ، في القديم والحديث ، ممن كانت له مساهمة كبرى في بناء الأمة ، وتربية الأجيال على العفاف والاستقامة .
وترى ألوفا من أصحاب العلوم والمعرفة التجريبية و الصناعة والتجارة وغيرها ، ممن نفع الله بهم العباد والبلاد ، في مختلف ميادين الحياة والمعاش ، ولم يزعم واحد منهم أن تخلف البلدان وضعف الأوطان ، سببه المباعدة بين أنفاس النساء والرجال .
بل حتى عقلاء الأمم المتقدمة في الصناعة والحضارة المدنية ، لم يزعموا مثل ما زعمه أولئك الناعقون
من دعاة " الاختلاط " و "التقارب " بين الجنسين .
ويكفينا شاهدا على ما ذكرنا أن كل عباقرة التأريخ في شتى العلوم والصناعات ، التي بنيت عليها جميع الحضارات ، ليس فيها شاهد واحد على ما يزعمه " الأفاكون " .
* فمن قديم الزمان ، كانت هناك حضارات بناها علماء وحكماء ، في مختلف العلوم ، كالرياضيات والطبيعة والطب والكيمياء .
منهم : جالينوس وبقراط وفيثاغورس وبطليموس . . . وعشرات من المشاهير القدماء ، وكلهم ذكران ، ليس فيهم امرأة واحدة ، وما بلغنا أنه كان عندهم اختلاط أو مماسة للنساء ، ومع ذلك أسسوا حضارات قديمة اعتمد عليها كثير ممن جاء بعدهم من العلماء .
* واستمر الأمر كذلك ، حتى جاء الإسلام ، وامتدت حضارته قرونا من الزمان ، ولم يكن للاختلاط دور في بناء حضارته ، وعلو شأن دولته ، وإنما اقتصر دور النساء فيها على نطاق ضيق ، بضوابط شرعية في الستر و الحجاب ، والمباعدة عن الاختلاط بالرجال .
أما الصناعات والسياسات ، وغيرها من العلوم ، في تلك العصور الذهبية للإسلام ، التي حكمت نصف العالم ، فقد خلت من مشاركة النساء ، فضلا عن مخالطتهن أو مماستهن للرجال .
* وحتى النهضة الغربية الحديثة ، ليس للنساء فيها مشاركة " ظاهرة " لشيئ من تلك المخترعات ، ولم يكن للاختلاط دور في بنائها ، وإنما كان الاختلاط ، ولا يزال ، عادة من عاداتها،
لم يزعم أحد أن وجوده سبب لوجودها ، ولا أن عدمه سبب لعدمها .
فهل يزعم عاقل أن " أرشميدس " ، مثلا ، قد استعان بإحدى النساء في تجاربه ، أو أنه اختلط بهن في مختبره ؟
وقل مثل ذلك عن " لافوزيه " و " نيوتن " و " أينشتاين " و " جاليليو " و " أديسون " و "ماركوني " و " ماجلان " و مئات غيرهم من مشاهير العلماء ، الذين أسسوا الحضارة المدنية الحديثة .
(و لاحظ أيضا ، أنهم كلهم ذكور ) !
* * * * * *
@ و زعم " المخلط " أيضا أن كل من رد عليه " كانت لهم أغراض يريدون تحقيقها من خلال ذلك التصعيد المقصود " . كذا قال .
قلت : لم يفصح لنا عن شيئ من " أغراضهم " ، مع أن المقام يستدعي البيان والتوضيح ، لا الكتمان والتلميح .
وليت شعري، ماهي تلك "الأغراض"
التي " يريد تحقيقها " من يدعو إلى فصل النساء عن الرجال في ميادين العمل والتعليم ؟
الظاهر أن المخلط ، لكثرة ما ثرثر به عن " الاختلاط " ، قد اختلط عليه الأمر وانقلبت لديه الموازين ، فإن العادة جرت على أن يكون هناك " مآرب " و" أغراض " لدعاة الاختلاط والرذيلة ، لا لدعاة العفاف والفضيلة .
و إن كل العقلاء يجمعون على أن من يدعو إلى الخلوة بالنساء ، وإردافهم خلف الرجال الأجانب ! ومس الأيدي والشعور ( !! ) ، هو الذي لديه أغراض ومآرب ، لا من احتاط في أمر الاختلاط ، ودعا إلى المباعدة بين النساء و الرجال الأجانب .
* * * * * *
@ وزعم " المخلط " كذلك ، أن مخالفيه استدلوا بأحاديث ضعيفة جهلا منهم بوجوه الضعف ، وتقليدا منهم لمن صححها .
@ كما ذكر أيضا أنهم قلدوا من سبقهم من العلماء المجتهدين ، في فهمهم وتوجيهم للأدلة التي استدل بها " المخلط " ، وتعصبوا لأقوالهم من غير تمحيص لها ، وأن أولئك المجتهدين مأجورون على اجتهادهم الذي أخطأوا فيه ( ! )
وأما من قلدهم في اجتهادهم ممن رد عليه ، فليس لهم عذر ، لأنهم تركوا الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تدل على جواز الاختلاط ، والخلوة ، ومس الشعور والأيدي ، والالتصاق بالأبدان في ركوب الدواب ( وما شابهها ، مثل : الدراجات العادية والنارية والبحرية ) !
@ واستدل ، بحديث " الشبهات " المشهور ، ثم قال " فالمشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، وإنما يعلمها من وفقه الله من المجتهدين . وأهل الاجتهاد مؤتمنون على البيان بالبرهان والدليل ، وليس بالهوى والتعصب والأقاويل " . انتهى .
قلت: سأبدأ ردي على هذا "المتعالم "
من آخر ما قاله هنا ، وبعدها سأرجع إلى تفنيد أوله .
فحديث " الشبهات " ، قد قسم فيه صلى الله عليه وسلم الأمور إلى ثلاثة أقسام : حلال بين ، وحرام بين ، وأمور مشتبهات .
ثم نص على وجوب اتقاء المتشابهات
وبين أن من واقعها فقد واقع الحرام
وهذا من أصرح الأدلة التي تنقض كل مقالات هذا "المخلط " ، وتنسفها نسفا .
فإن النصوص قد تواترت على وجوب الحجاب والستر ، والمباعدة بين الرجال والنساء ، وغض البصر .
وحذرت من الفتنة بالنساء ، وسدت كل الذرائع المفضية إلى ذلك .
وحرمت الخلوة بالمرأة ، والدخول عليها ، وسفرها من غير محرم ،
و الخضوع بالقول ، و إظهار ما يخفى من زينتها ، ولو كان في أسفل القدم ،
إلى غير ذلك من النصوص الصريحة في الكتاب والسنة الصحيحة .
ومعلوم أنه إذا حرم الأدنى والأخف ، في " الضرر و الفتنة " ، حرم الأعلى والأشد ، من غير شك ولا مرية .
فكان تحريم المصافحة ومس الشعر
والتلاصق ، بأي صفة كانت ، في ركوب الدواب ، أو في غير ذلك ، أظهر في المنع وأولى بالتحريم .
وقد وردت نصوص مشتبهات ، قد يفهم منها إباحة تلك المحرمات ، فماذا نصنع ؟
هل نقضي بها على المحكمات البينات ، فنكون من أهل الزيغ والفتنة ، الذين قال الله فيهم {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } ؟
أم نرد المتشابه إلى المحكم ، ونكون في زمرة الراسخين في العلم الذين يقولون { آمنا به كل من عند ربنا } ؟
روى البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " [ ح 4547 ] .
و ذكر الحافظ في الفتح [ 8 / 211 ]
أن أول ما ظهر في الإسلام من اتباع المتشابهات من النصوص ، كان بفعل الخوارج ، وقد فسر ابن عباس بهم الآية .
قلت : فتبين أن استدلال " المختلط " بحديث " الشبهات " حجة عليه ، لا له ، كما هو ظاهر لكل عاقل .
وهذا يقودنا إلى الكلام على مسألة "الاستدلال " ، التي خلط فيها كل المخالفين ، من القرون الأولى حتى عصرنا الحاضر .
* وذلك أن المستدل بنص من القرآن والحديث ، يلزمه أن ينظر أولا إلى فهم السلف لهذه النصوص ، فإنهم أعلم وأحكم ممن جاء بعدهم ، على وجه العموم ، بدءا بالصحابة ، ثم التابعين ، ثم تابعيهم . . وهلم جرا .
أما الاستقلال بالنظر في النصوص وأخذ الأحكام منها ، دون الرجوع إلى فقه سلف الأمة ، فإنه سبيل أهل الزيغ والفتنة .
ولم تظهر الفرق في هذه الأمة إلا بالاستقلال بالنظر والتفقه في النصوص ، دون الرجوع إلى فهم السلف .
وقد استدل الخوارج بآيات من القرآن ، لكنهم لم يفهموها فهم الراسخين من علماء الأمة ،
فضلوا وأضلوا .
هذا مع أنهم وصفوا في الأحاديث الصحيحة بصفات لم يحظ بها جل من جاء بعدهم من المخالفين .
منها : كثرة القراءة ، والاجتهاد في الصلاة والصيام والعبادة .
وضلت القدرية بعد أيضا ، بسبب استقلالها في فهم نصوص القرآن في القدر ، دون الرجوع إلى فهم الراسخين من السلف .
وكل الفرق بعد ذلك ، إنما كان ضلالها بسبب خطئها في الاستدلال .
فليس العبرة بصحة الدليل ، فحسب ، بل لا بد من صحة الاستدلال به على المطلوب .
ومن ثم وضع الأئمة المصنفات في أصول الفقه والتفسير والحديث ، حتى تضبط العلوم بضوابط وقواعد ، منعا من التخبط والشطط ، والخلط في الفهم والاستنباط .
وأول من وضع قواعد العلوم الشرعية ، الإمام الشافعي ( ت 204 )
في كتاب " الرسالة " ، بطلب من الإمام عبدالرحمن بن مهدي .
ثم تتابعت بعد ذلك مصنفات الأصول والقواعد ، في الفقه والتفسير والحديث ، وأفردت لها مصنفات مستقلة .
فمن رام فهم نصوص الوحي والاستدلال بها دون الرجوع إلى فهم الراسخين في العلم بها ، ودون التقيد بقواعد العلوم وأصولها ، فإنه سيختلط عليه الحق والباطل ، وستلتبس عليه الأمور ، كما التبست على من سبقه من أهل الزيغ والضلال .
و لهذا فقد تواتر عن علماء الأمة نصوص في وجوب اتباع مذهب السلف الأولين ، و التحذير من اتباع أهواء المضلين .
فقال ابن مسعود " من كان مستنا فليستن بمن قد مات . . " .
وقال غيره " عليك بآثار من سلف ، وإن رفضك الناس . . " .
وقال آخر " من انسدت عليه أبواب مذهب السلف الحق ، عميت عليه أنباء التحقيق " .
وقال كثير من المتأخرين " كتاب وسنة ، بفهم سلف الأمة " .
* و مسألة التصحيح والتضعيف ونقد الأحاديث والآثار ، قد أفرد لها أئمة الحديث مصنفات ذكروا فيها قواعد عامة لضبط هذا العلم ، لكنهم لم يقصدوا من ذلك أن يقحم الجهال والأغمار أنفسهم ويحشروا أنوفهم في الحكم على الأحاديث ، دون الرجوع إلى حكم الراسخين من علماء الحديث ، وعلى رأسهم أئمة الجرح والتعديل ، وأصحاب الصحاح والمسانيد والسنن المشهورة .
ومعلوم أن قواعد الحديث ، وهو ما يسمى بعلم " المصطلح " ، وعلم
" الجرح والتعديل " ، من أشد العلوم غموضا ، وأصعبها على الفهم ، ومع ذلك فإن المتطفلين عليه في زماننا هذا كثيرون ! ومنهم هذا "المختلط "
الذي ظن أنه بقراءة بعض مصنفات " الجرح والتعديل " ، المختصرة ، فإنه يكون أهلا لأن يصحح أو يضعف .
وكأن المسألة أشبه بمسائل الضرب الحسابية ، التي تدرس للطلاب في مراحل التعليم الأولية ، فيستعين الطالب بجدول الضرب في حلها !
وليس الأمر بهذه السهولة ، فإن نقد الروايات من أدق العلوم وأعمقها .
ولهذا تجد من يتكلم في الجرح والتعديل والنقد هم جهابذة الحفاظ ، وهم أقل من القليل بالنسبة للآلاف المؤلفة من رواة الحديث والأثر في كل عصر .
ومنهج أصحاب الصحاح ، وعلى رأسهم البخاري ومسلم ، انتقاء الروايات ، فإنهم لا يقبلون كل أحاديث الثقات الأثبات ، كما أنهم لا يردون كل أحاديث الضعفاء ، ولهذا تجد في رجال الصحيحين من رمي بشيئ من الضعف ، فيظن الجهال بأن الشيخين قد فات عليهما معرفة ما في هؤلاء الرواة من الضعف ، فيبادر إلى تضعيف الروايات .
* ونضرب على ذلك بمثال و هو : خالد القطواني ، فقد ترجم له الحافظ في " التهذيب " [ 3 / 116 ] وذكر الاختلاف في تضعيفه وتوثيقه ، ومع ذلك فقد أخرج له الشيخان .
ولو اقتصر الناقد على بعض ما ذكر في ترجمته في" الميزان " للذهبي ،
أو "التقريب " لابن حجر ، لحكم على كل رواياته بالضعف ، وليست هذه طريقة أهل العلم في نقد الروايات .
* ومثله شهر بن حوشب ، فقد أخرج له مسلم في الشواهد ، وارتضاه الإمام أحمد حتى قال عنه
" ما أحسن حديثه " ، وقال عنه البخاري " حسن الحديث " ، و وثقه ابن معين وغيره . انظر التهذيب
[ 4 / 369 ] .
وقال عنه الإمام الذهبي في الميزان [ 4/ 284 ] " قد ذهب إلى الاحتجاج به جماعة" .
وقد حسن الحافظ ابن حجر أحاديثه في أكثر من موضع في الفتح ، ومنها حديث أسماء في منع مصافحة النساء ، انظر الفتح [ 13 / 204 ] ، كما ذكرت ذلك في ردي السابق على " المختلط " .
وإنك لتعجب حين ترى مثل هذا الجاهل الذي ضعف حديث شهر بن حوشب ، بناء على ما قيل فيه في "التقريب "، مع أن صاحب" التقريب "
نفسه حسن إسناده !
وهذا يؤكد ما ذكرته من أن مذهب الأئمة في نقد الأسانيد لا يعتمد على ما في التراجم المختصرة ، كالتقريب ونحوه .
* ويقال أيضا عن سنن أبي داود والنسائي والترمذي ومسند أحمد وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان ، ما قيل في الصحيحين ، إلا أن شروط هؤلاء في الرجال وفي الروايات أقل من شروطهما .
وقد حكم الترمذي بالصحة أو الحسن على كثير من الروايات التي في إسنادها رواة مختلف فيهم ، وليس ذلك جهلا من الترمذي بحالهم ولا ذهولا عما قيل فيهم ، ولكنه اختيار وتمحيص منه لمروياتهم .
و تفصيل الكلام على هذه المسائل يطول جدا وإنما قصدت الإشارة إليه هنا ، حتى لا يغتر من لا علم عنده بكلام هذا "المختلط " ، ويلتبس عليه الأمر .
* وسأضرب بعض الأمثلة مما ذكره "المختلط " في مقالاته السابقة ، في الحكم على الأسانيد ، بدون علم ، ظنا منه أنه أهل لذلك .
1 _ ضعف حديث أميمة بنت رقيقة " إني لا أصافح النساء " ، لأن في إسناده محمد بن المنكدر .
قلت : هكذا يقذف بالباطل ويهرف بما لا يعرف ، ثم ينعي على غيره بأنهم مقلدة متعصبون !
فإنه لم يأت بنص واحد عن أحد من الأئمة في تضعيف هذا الحديث .
ومحمد بن المنكدر ممن أخرج له الجماعة ، و ترجم له الحافظ في " التهذيب " [ 9 / 473 ] وذكر توثيق الأئمة له ، ومنهم العجلي والشافعي، وقال ابن عيينة " كان من معادن الصدق " ، وقال يعقوب بن شيبة
" صحيح الحديث جدا " ، وقال إبراهيم بن المنذر " غاية في الحفظ والإتقان والزهد ، حجة " .
قلت : و هذا الحديث رواه مالك في الموطأ [ 2 / 982] و صححه الترمذي [ 1 /302 ] وغيره ، ولا يلتفت إلى تضعيف هذا المتعالم" المخلط " .
2 _ ضعف حديث معقل بن يسار " لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد ، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له " .
قال " المختلط " < أخرجه الطبراني ،
واختلف فيه رفعا ووقفا ، والموقوف أرجح ، إلا أنه ليس مما له حكم الرفع ، وإسناد المرفوع ضعيف ، لضعف شداد بن سعيد وتفرده به > .
كذا قال .
قلت : هكذا يطعن في الروايات مثل هذا الجاهل المتعالم ، بدون أن يستند إلى قول أحد ممن يعتد به من أهل العلم ، وكأنه من كبار علماء الحديث و حفاظ الآثار .
وكأنه يقول : لا تقلدوا في حكمكم على الروايات والأسانيد أئمة الحديث
السابقين ولا اللاحقين ، فقد كفيتكم مؤنة ذلك ، فما عليكم سوى الأخذ بقولي !
إذا قالت حذام فصدقوها &
فإن القول ما قالت حذام
قلت : وهذا الحديث قد قال عنه المنذري في " الترغيب والترهيب "
[ 3 / 66 ] < رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح > .
وقال مثل ذلك الهيثمي في " مجمع الزوائد " [ 4 / 329 ] .
وليس في إسناده مطعن ، فإن رواته ثقات ، وشداد بن سعيد أخرج له مسلم مقرونا ، و ترجم له الحافظ في التهذيب [ 4 / 316 ] ، ونقل توثيق الأئمة له ، أحمد وابن معين والبزار والنسائي وأبي خيثمة .
وقال ابن عدي " لم أر له حديثا منكرا ".
وترجم له الذهبي في " الميزان "
[ 2 / 265 ] وقال " صالح الحديث ".
3 _ حديث أبي هريرة " ليس للنساء وسط الطريق " .
هذا الحديث ذكره " المختلط " ، وقال عنه " إسناده ضعيف جدا ، فيه شريك بن عبدالله بن أبي نمر ، سيئ الحفظ، وفيه مسلم بن خالد الزنجي ،
قال البخاري فيه : منكر الحديث ، ذاهب الحديث " .
وضعف " المختلط " أيضا ، شواهد هذا الحديث التي يتقوى بها ، كحديث أبي أسيد وغيره .
قلت : أولا : قد ذكرت من قبل أن منهج أئمة الحديث هو انتقاء الروايات ، وأنهم لا يردون كل أحاديث من رمي بالضعف ، خاصة إذا كان الضعف من قبل سوء الحفظ .
ثانيا : هناك أحاديث صححها الأئمة ، لا لذاتها ، وإنما لغيرها .
و صغار طلبة العلم في الحديث يعلمون أن من الأحاديث ما هو صحيح لذاته ، أو حسن لذاته .
و منها ما هو صحيح لغيره ، أو حسن لغيره .
فالأحاديث المروية بأسانيد فيها ضعف ، إذا كان لها شواهد أو متابعات ، فإنها تتقوى بها ، وترتقي إلى الحسن أو إلى الصحة .
وحديث أبي هريرة ، إذا سلمنا جدلا ، بضعف إسناده ، فإن شواهده الأخرى تقويه .
وحسبك أن الحديث قد أخرجه ابن حبان في صحيحه [ موارد 1969 ] ، وهذا يعني أن ابن حبان ، وهو من كبار حفاظ الحديث ، ومن أئمة الجرح والتعديل ، قد سبر هذا الحديث ، ثم رأى أنه صحيح ، ومن ثم أخرجه في كتابه الذي التزم فيه بالصحة .
قال السيوطي في ذكر مراتب الصحاح ، بعد أن ذكر أن أعلاها البخاري ، ثم مسلم :
وابن خزيمة ويتلو مسلما &
وأوله البستي ثم الحاكما
فجعله في المرتبة الرابعة ، بعد صحيح ابن خزيمة .
* وشريك بن عبدالله بن أبي نمر ، قد أخرج له أصحاب الصحاح والسنن ، انظر ترجمته في التهذيب [ 4 / 337 ]
وقد وثقه جمع من الأئمة وروى عنه مالك والثوري .
وقال عنه الذهبي في الميزان [ 2 / 269 ] " تابعي صدوق " .
* وأما مسلم بن خالد الزنجي ، فقد ترجم له في التهذيب [ 10 / 128 ] ، وذكر أنه كان من فقهاء مكة وروى عنه الشافعي .
وممن وثقه وقبله : ابن معين وابن عدي والدارقطني .
وذكره ابن حبان في ثقاته ، وقال " كان يخطئ أحيانا " .
ومثل هذا لا يرد حديثه مطلقا ، بل يرد ما أخطأ فيه ، أو خالف ، أو تفرد .
ولهذا صحح له ابن حبان حديثه هذا ، مع أنه قال فيه " كان يخطئ أحيانا "
قلت : وأنى لمثل هذا " المختلط " أن يفهم مثل هذه المسائل الحديثية التي استعصى فهمها على كثير من الناس ، إلا من رزقه الله فهما ثاقبا ، وقصدا حسنا ، وأفنى عمره في البحث والطلب .
والذي يظهر أن هذا " المختلط " ،
قد اعتمد كثيرا على غيره من الباحثين ، ثم نسب الجهد لنفسه ، لأنه أشار في مقاله الأول إلى بحث جاسم المشاري الذي نشر في صحيفة الجزيرة ، وامتدحه ، ووصفه بأنه بحث علمي مؤصل " ندر في شموله مثله . . . " الخ .
ثم ذكر في هذا " الموقع " أنه قد بحث هذه المسألة من قبل بحثا مطولا ، ولم يذكر شيئا عن بحث المشاري !
فإذا كان الأمر كما قال ، فلماذا صدر مقاله السابق بذكر بحث المشاري والإشادة به بمثل ذلك التهويل ، وأغفل ذكره هنا ؟
وقد ذكر المشاري أنه اعتمد في بحثه على بعض الباحثين .
فتبين من هذا أن تلك المقالات عبارة عن تجميع وتلفيق لما كتبه بعض الباحثين ( المجهولين ) ! تبناها أولا ،
المشاري ثم الغامدي .
فكيف يرضى لنفسه أن يقلد _ في الخطأ والباطل _ أولئك المجهولين ، وينعي على غيره في متابعتهم _ في الحق والصواب _ لأئمة المسلمين ؟!
* تنبيه : ذكر " المختلط " في مقاله السابق حديث أبي سعيد الخدري
" خير صفوف الرجال أولها " الحديث
وقال " أخرجه أبو يعلى ، وإسناده صحيح " .
قلت : أولا : هذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه مسلم وأصحاب السنن ، من حديث أبي هريرة . انظر جامع الأصول [ 5 / 606 ] .
ثانيا : وأما حديث أبي سعيد في مسند أبي يعلى [ 2 / 354 ] ، فهو بلفظ
" خير صفوف الرجال المقدم ، وشرها المؤخر . . " .
قلت : فمن كان هذا مبلغ علمه في البحث والتخريج ، كيف يصح أن يحشر أنفه في الجرح والتعديل ، ونقد الأسانيد ، ويرمي غيره بالجهل والتعصب والتقليد ؟
* * * * * *
ومن هنا تعلم أخي القارئ أن هؤلاء المخلطين موغلون في الجهل ، وأنهم
لا حظ لهم من العلم إلا الثرثرة والتلبيس على العوام ، وأن ادعاءهم بأن مخالفيهم متعصبون ومقلدون وكاتمون للحق .. الخ . إنما يقصدون به منع هذه الأمة من اتباع هدي سلفها ، والتشكيك في فقه أئمتها وفهم علمائها ، حتى يتسنى لهم نشر جهالاتهم وضلالاتهم .
وقد سبقهم إلى تلك الدعاوى الباطلة كل الفرق الضالة .
فالخوارج زعموا أنهم أهل للاجتهاد والاستقلال بفهم النصوص ، دون الرجوع إلى فقه الصحابة والسلف .
والجهمية رموا سلف الأمة وعلماءها بالجهل ، ووصفوهم بأنهم " نابتة و حشوية " .
* وكذلك العلمانيون المعاصرون ، ومن قلدهم من المخالفين ، ما تركوا وصفا مقيتا إلا أطلقوه على علماء الأمة وخيارها ، فهم في نظرهم : مقلدة ، متعصبة ، متشددة ، متخلفة ، مشككة في نيات العامة ، معادون للمرأة منتهكون لحقوقها !
قال الله تعالى { زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة }
وقال الشاعر :
إذا وصف الطائي بالبخل مادر &
وعير قسا بالفهاهة باقل
وطاولت الأرض السماء سفاهة &
وفاخرت الشهب الحصا والجنادل
وقال السهى للشمس أنت ضئيلة &
وقال الدجى يا صبح لونك حائل
فيا موت زر إن الحياة مريرة &
ويا نفس جدي إن دهرك هازل
* * * * * * *
وبعد ، فإني قد أطلت كثيرا في الرد على ما ذكره الغامدي في تعقيبه على من رد عليه ، ولم أرد الإطالة ، ولكن هذا المتحاذق قد دأب على قذف الشبه بكلام لا يمت إلى العلم ولا للأدب بصلة ، فأردت أن أبين للقراء مبلغ جهله ، وأفند بعض شبهاته .
هذا وأسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويلهمنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلا ويلهمنا اجتنابه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .